“إسرائيل” تنشئ منطقة عازلة ثانية داخل القطاع.. ماذا في التفاصيل؟

بقلم: أحمد عبد الرحمن..
منذ بداية حرب الإبادة الجماعية بحقّ المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة قبل أكثر من ثلاث سنوات، جرّبت “إسرائيل” عشرات الخطط، واستخدمت مروحة واسعة من الأدوات والإمكانيات من أجل الوصول إلى جملة الأهداف التي رفعتها عشيّة انطلاق معركة “طوفان الأقصى” البطولية.
من أكثر الأهداف التي سعت “إسرائيل” إلى تحقيقها بكلّ الوسائل الممكنة منذ بداية الحرب كان تهجير المواطنين الفلسطينيين أو الجزء الأكبر منهم من قطاع غزة إلى الخارج، وتحويل هذه البقعة الجغرافية الضيّقة التي تحوي ببين جنباتها أكثر من مليونين وربع المليون إنسان إلى منطقة خالية من السكّان، في مقدّمة لتحويلها إلى عمق أمني لأكثر من 55 مستعمرة إسرائيلية تقع إلى الشمال والشرق منها -ولمَ لا- ثمّ إعادة جزء من هذه المستعمرات إليها في وقت لاحق في حال سمحت الظروف بذلك.
في هذا الإطار بذلت “إسرائيل” كلّ الجهود الممكنة، ولم تترك وسيلة إلا واستخدمتها من أجل تنفيذ مخطّطها الشيطاني والإجرامي، والذي يتنافى جملة وتفصيلاً مع القوانين الدولية كافة التي تمنع السيطرة على أرض شعب آخر بالقوة، وتجرّم أيّ محاولة لتهجير السكّان الأصليين من أراضيهم وممتلكاتهم مهما كانت الأسباب والذرائع.
أما الهدف الآخر فبقي طي الكتمان، وهو تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يُطاق، وحشرهم في منطقة جغرافية صغيرة للغاية، بعيداً عن مناطقهم الأساسية التي تمّ تدميرها وتجريفها، وتحويلها إلى مناطق جرداء، يُمنع الاقتراب منها بأيّ شكل من الأشكال، بما يمكن أن يؤدّي في مرحلة ما إلى كسر عزيمتهم، وانهيار صمودهم، وربما -ولِمَ لا- تفضيلهم لخيار الهجرة “الطوعية” بعيداً عن حياة الذل والفقر التي يفرضها عليهم الاحتلال.
وبما أنّ الاحتلال لا يلتزم كما العادة بكلّ الاتفاقيات التي يوقّع عليها، ودائماً ما يضرب بها عرض الحائط حتى لو كان الضامن لها رئيس أقوى دولة في العالم، فقد تنكّر لما تمّ التوصّل إليه، وبدلاً من الانسحاب إلى المناطق الشرقية من القطاع أي باتجاه الحدود مع الأراضي المحتلة عام 48، قام بتوسيع مناطق سيطرته باتّجاه عمق قطاع غزة، والسيطرة على المزيد من الأراضي سواء في شمال القطاع أو شرقه، حتى بلغت نسبة ما يسيطر عليه حتى الآن أكثر من 70%.
هدف آخر تحقّق من خلال إنشاء هذه المنطقة العازلة، وهو يتعلّق في الأساس في حرمان سكّان القطاع من معظم الأراضي الصالحة للزراعة، والتي كانت توفّر أكثر من 80% من احتياجات السكان، إلى جانب حرمانهم أيضاً من مئات آبار المياه التي كانت مُقامة في هذه المناطق، والتي تُقدّر بنحو 60% من إجمالي الآبار في القطاع.
في هذه المنطقة تسعى “إسرائيل” من خلال مجموعة من الإجراءات إلى تحويل هذه الكتلة البشرية الهائلة، والتي تفتقد لمعظم مقوّمات الحياة إلى ما يشبه المنطقة العازلة المقامة على الجزء الآخر من القطاع، ولا سيما على صعيد الهدف المُراد تحقيقه من ورائها، فإذا كانت في المنطقة الأولى تسعى لمنع أيّ تحرّك باتجاه الحدود والمستعمرات، فإنها في الثانية ومن خلال استخدام السكّان كحائط صدّ في وجه المقاومة تسعى إلى تأمين كلّ أراضي “الدولة”، وليس فقط تلك القريبة من حدود القطاع.
في قطاع غزة تبدو الصورة مشابهة تماماً لكلّ ما يجرى في ساحات أخرى، إذ إنّ العدو يعتقد أنّ المقاومة الفلسطينية ستتعافى في وقت ما من كلّ ما لحق بها من خسائر، وأنها يمكن أن تعود من جديد إلى عمليات تصنيع سلاحها الصاروخي أو الحصول عليه من مكان ما، وهو السلاح الذي كان في كثير من الأحيان يشكّل الهاجس الأكبر للجبهة الداخلية الإسرائيلية، وطالما اعتُبر أزمة يصعُب التعامل معها من وجهة نظر مئات الآلاف من المستوطنين الصهاينة.
وبالتالي في حال تمّ هذا الأمر تصبح المنطقة العازلة الأولى غير كافية، وتسقط أهميتها أمام إمكانية تجاوزها بالإطلاقات الصاروخية المحتملة، وهنا يصبح تحويل المنطقة المتبقّية من القطاع، والمتكدّسة بمئات الآلاف من المواطنين إلى منطقة عازلة أمراً في غاية الأهمية، بل ويتجاوز في أهميته كلّ المناطق الأخرى.
من أجل إنجاز هذا الهدف تستخدم “إسرائيل” مجموعة من الأدوات، حتى تحوّل الكتلة السكّانية الموجودة في هذه المنطقة إلى مانع لأيّة عمليات مقاومة في المستقبل، خصوصاً تلك العمليات التي يمكن أن تستهدف العمق الإسرائيلي، والتي أثبتت التجربة أنّ إمكانية استهدافه مُتاحة وممكنة في حال امتلكت المقاومة في غزة صواريخ يتجاوز مداها الـ 20 كيلومتراً كحدٍّ أدنى، وهو أمر من السهل الوصول إليه في ظلّ ما تملكه المقاومة من خبرات بهذا المجال.



