الرياضة العراقية.. تصريحات جديدة وتحديات قديمة

بقلم: باسل العبيدي..
تابعنا التصريحات الأخيرة التي تناولت عددًا من الملفات المهمة في الرياضة العراقية، بدءًا من واقع الأندية التي تركّز نشاطها على كرة القدم، مرورًا بملف الألعاب الفردية والأولمبية، وصولاً إلى المنشآت الرياضية ودعم الاتحادات وإعداد الأبطال. وهي ملفات تستحق الاهتمام والمتابعة، لكنها تفتح في الوقت نفسه باب التساؤل عن آليات التنفيذ والنتائج المنتظرة.
إن الحديث عن حل إدارات الأندية التي لا تهتم بالألعاب الأولمبية، أو اتخاذ إجراءات بحق إدارات أخرى، يضعنا أمام سؤال أساسي: هل تكمن المشكلة في القرارات وحدها، أم في منظومة العمل الرياضي التي تحتاج إلى مراجعة شاملة؟ فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالتهديد والوعيد، وإنما بتطبيق القوانين بعدالة، وتعزيز الرقابة، ومحاسبة المقصّرين وفق إجراءات واضحة وشفافة.
لقد شهدت الرياضة العراقية خلال السنوات الماضية، توسّعًا في أشكال الدعم المالي والإداري المقدّم إلى الأندية والاتحادات، وهو ما كان يفترض أن ينعكس على مستوى الإنجازات وتطور البنية التحتية واكتشاف المواهب. لكن النتائج، في عدد من الألعاب، ما زالت دون الطموح، الأمر الذي يستدعي الوقوف عند أسباب هذا التراجع، وتحديد مواطن الخلل، بعيدًا عن تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بالوعود.
ولا يمكن إغفال ما تحتاج إليه الرياضة من منشآت وملاعب ومراكز متخصّصة، خصوصًا أن إعداد الرياضيين للمنافسة على المستويات القارية والأولمبية يتطلب تخطيطًا طويل الأمد، وإمكانات فنية ومالية، وبرامج إعداد مستمرة. ومن هنا، فإن الإعلان عن إنشاء منشآت رياضية ومراكز للشباب يمثل خطوة مهمة إذا ما اقترن بجدول زمني واضح، وتوزيع عادل للمشروعات بين المحافظات، وآليات تضمن استثمارها بالشكل الصحيح.
أما دعم الأبطال والاتحادات، فلا ينبغي أن يعتمد على الجهود الفردية أو العلاقات الشخصية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل يحتاج إلى سياسة مؤسّسية مستقرة تضمن استمرارية الدعم وشفافية توزيعه، وتربط الإنفاق بمعايير فنية واضحة، مع الاهتمام بالألعاب التي تمتلك فرصًا حقيقية لتحقيق الإنجازات.
إن ما شهدته الكرة العراقية في مشاركتها الأخيرة في بطولة كأس الخليج بالسعودية، وما رافق النتائج من خيبة أمل لدى الجمهور، يعيد إلى الواجهة ضرورة مراجعة واقع مؤسساتنا الرياضية، بدءًا من التخطيط والإعداد، وصولاً إلى الإدارة والمحاسبة. فالنتائج لا تنفصل عن طبيعة العمل، ولا يمكن معالجة الإخفاقات من دون تشخيص أسبابها بشجاعة وموضوعية.
إن جوهر الأزمة الرياضية لا يرتبط بحجم الأموال المتاحة وحده، بل بكيفية إدارتها، ومدى فاعلية الرقابة عليها، وكفاءة القائمين على المؤسسات، وقدرتهم على وضع المصلحة الرياضية فوق المصالح الضيقة. وإذا كانت هناك مخالفات أو شبهات فساد، فإن التعامل معها ينبغي أن يكون من خلال الأدلة والتحقيقات والإجراءات القانونية، بما يضمن المساءلة ويحفظ حقوق الجميع.
لقد سَئِمت الأوساط الرياضية تكرار الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وهي اليوم بحاجة إلى خطوات عملية يمكن قياس نتائجها، وإلى قرارات تطبّق على الجميع من دون استثناء. فالإصلاح لا يتحقق بتغيير الأشخاص وحده، ما لم يصاحبه تطوير للقوانين، وتعزيز للنزاهة والشفافية، ووضع معايير واضحة لتقييم أداء الإدارات والاتحادات.
إن الرياضة العراقية تمتلك الطاقات والمواهب والتأريخ الذي يؤهّلها لتحقيق الأفضل، لكنها تحتاج إلى إدارة تخطط للمستقبل، ومؤسّسات تخضع للمساءلة، وبرامج تستند إلى العمل العلمي لا إلى ردود الأفعال.
وخلاصة القول.. إن المطلوب اليوم ليس المزيد من التصريحات، بل تحويلها إلى قرارات قابلة للتنفيذ، ونتائج ملموسة يشعر بها الرياضي والجمهور على حدٍّ سواء. فنجاح أية قيادة رياضية لا يقاس بما تعلنه من وعود، وإنما بما تحققه من إصلاح وإنجاز.



