اراء

فرنسا والجيل الغاضب.. حين يصبح المستقبل قضية سياسية

سارة محمد مرزوڨي..

ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول تلك التي تظهر في موازناتها أو تتصدر نشرات الأخبار، وإنما تلك التي تتسلل إلى وجدان أجيالها الجديدة، فتجعل المستقبل الذي يُفترض أن يكون مساحة للأمل مصدرا للقلق، وتحول الأحلام الفردية إلى أسئلة جماعية تبحث عن إجابات لدى الدولة ومؤسساتها.

ومن هذا المنظور، تبدو الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة أكثر من مجرد موجة غضب طلابي أو اعتراض اجتماعي على ارتفاع تكاليف المعيشة. إنها تفتح نافذة على أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والشباب، وبقدرة الجمهورية الفرنسية على تجديد العقد الاجتماعي الذي جمع مواطنيها حول وعود الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص.

من المدرسة تبدأ الحكاية

لم يكن من قبيل المصادفة أن تنطلق شرارة الاحتجاجات من المدارس في ضواحي باريس، حيث برزت شكاوى تتعلق بنقص المعلمين وتراجع ظروف التعليم وضعف التجهيزات. فالمدرسة ليست مجرد فضاء لتلقي المعرفة، وإنما هي المكان الذي تختبر فيه الأجيال الأولى معنى العدالة الاجتماعية، وتتعرف من خلاله إلى موقعها في المجتمع وحدود الفرص المتاحة أمامها.

فالشباب لا يطالبون دائما بامتيازات إضافية، بل قد يكون مطلبهم الأول هو ألا تتحول الظروف الاجتماعية إلى حواجز تحدد مسبقا ما يمكنهم بلوغه. وهذه هي النقطة التي يصبح فيها التعليم قضية سياسية، لا لأن الطلاب يرفعون الشعارات في الشوارع فحسب، وإنما لأنهم يطرحون أسئلة تمس جوهر العدالة التي تقوم عليها الدولة الحديثة.

حين يتقدم القلق على الأمل

ليس الجيل الجديد في فرنسا معزولا عن التحولات الاقتصادية التي تشهدها المجتمعات الأوروبية. فارتفاع تكاليف الحياة، والقلق بشأن فرص العمل، وصعوبة الاستقلال المادي لدى بعض الشباب، كلها عوامل تجعل الانتقال من مقاعد الدراسة إلى الحياة المهنية أكثر تعقيدا مما يتوقعه كثيرون.

وفي مثل هذه الظروف لا يعود السؤال مقتصرا على الحصول على شهادة أو وظيفة، بل يمتد إلى القدرة على بناء حياة مستقرة، وتأمين السكن، وتأسيس أسرة، والشعور بأن الجهد المبذول اليوم يمكن أن يثمر غدا.

ماكرون أمام أسئلة المرحلة الأخيرة

تأتي هذه الاحتجاجات في مرحلة حساسة من رئاسة إيمانويل ماكرون، الذي وصل إلى السلطة عام 2017 بخطاب يدعو إلى تجديد الحياة السياسية الفرنسية وتجاوز الانقسامات التقليدية. وبعد سنوات من الحكم، باتت حصيلة تجربته موضع نقاش واسع، خصوصا فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية، والعلاقة بالنقابات، وقدرة السياسات الاقتصادية على الاستجابة لمخاوف الفئات الأقل استفادة من النمو.

ومع ذلك، تبقى المسؤولية السياسية قائمة، لأن الحكومات لا تُحاسب فقط على نياتها أو على الصعوبات التي تواجهها، وإنما أيضا على قدرتها على ترتيب الأولويات وتقديم حلول يشعر المواطن بأثرها.

الشارع ليس بديلا عن الدولة

ومع اتساع الاحتجاجات، شهدت بعض المدن الفرنسية مواجهات وأعمال تخريب واعتداءات على ممتلكات عامة وخاصة، كما سُجلت توقيفات وإصابات. وهذه الوقائع تفرض التمييز بين حق المواطنين في الاحتجاج السلمي، وهو من الحقوق الأساسية في المجتمع الديمقراطي، وبين العنف الذي يعرض الأشخاص للخطر ويضر بالممتلكات ويقوض حقوق الآخرين.

لكن رفض العنف لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتجاهل المطالب التي خرج المحتجون من أجلها، كما أن الاعتراف بمشروعية المطالب الاجتماعية لا يعني تبرير أعمال التخريب. فالدولة مطالبة بحماية النظام العام وضمان الحقوق في آن واحد، والمجتمع مطالب بدوره بالحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاج واحترام القانون.

من جيل الاحتجاج إلى جيل المشاركة

لعل ما يستحق الانتباه في التحركات الطلابية الفرنسية هو أن الشباب لا يطرحون مطالب مرتبطة بالحاضر وحده، بل يعبرون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن تصورهم للمستقبل الذي يريدون العيش فيه.

وهذا ما يجعل التعامل مع هذه الاحتجاجات باعتبارها مشكلة أمنية مؤقتة قراءة قاصرة لدلالاتها. فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الطاقة الاحتجاجية إلى مشاركة مدنية وسياسية مستدامة، وفي فتح المؤسسات أمام الأجيال الجديدة حتى لا تصبح الشوارع وسيلتها الوحيدة لإيصال صوتها.

المستقبل هو القضية

إن فرنسا التي شهدت تحولات كبرى في تأريخها السياسي والاجتماعي تعرف، بحكم تجربتها، أن الخلاف جزء من الحياة الديمقراطية، وأن الاحتجاج قد يكون وسيلة لتصحيح المسار حين تعجز القنوات التقليدية عن نقل المطالب بفاعلية. لكن التأريخ لا يمنح أي دولة حصانة دائمة من الأزمات، ولا يعفي مؤسساتها من ضرورة مراجعة نفسها.

وما تكشفه احتجاجات الجيل الجديد هو أن الاستقرار لا يمكن أن يقوم على التوازنات السياسية وحدها، إذا لم تسندها عدالة اجتماعية محسوسة وفرص حقيقية للصعود وتحسين شروط الحياة.

فالشباب الذين يحتجون اليوم لا يسألون عن مستقبل فرنسا فحسب، بل يسألون أيضا عن مكانهم في هذا المستقبل. وهل تظل المدرسة جسرا للارتقاء؟ وهل يبقى العمل طريقا إلى الاستقلال؟ وهل تستطيع المؤسسات أن تقنعهم بأن أصواتهم مسموعة وأن مشاركتهم تحدث فرقا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى