اخر الأخباراوراق المراقب

فضل العلماء ومكانتهم

إنّ فضل العلم والعلماء كبير جداً، حتى قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، والجواب مستبطن، وهو: كلا، لا يستوي هؤلاء وهؤلاء بالبداهة، والآيات متعددة، والروايات أكثر من أن تُحصى، ويكفي أن نقرأ الرواية التالية:

قال علي بن الحسين (عليه السلام) لرجلٍ: «أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: صَدِيقٌ كُلَّمَا رَآكَ أَعْطَاكَ بَدْرَةَ دَنَانِيرَ، أَوْ صَدِيقٌ كُلَّمَا رَآكَ بَصَّرَكَ بِمَصِيدَةٍ مِنْ مَصَائِدِ الشَّيَاطِينِ، وَعَرَّفَكَ مَا تُبْطِلُ بِهِ كَيْدَهُمْ، وَتَخْرِقُ [بِهِ‏] شَبَكَتَهُمْ، وَتَقْطَعُ حَبَائِلَهُمْ؟ قَالَ: بَلْ صَدِيقٌ كُلَّمَا رَآنِي عَلَّمَنِي كَيْفَ أَخْزِي الشَّيْطَانَ عَنْ نَفْسِي وَأَدْفَعُ عَنِّي بَلَاءَهُ».

والبدرة كانت توضع فيها عشرة آلاف درهم، وأحياناً سبعة آلاف دينار، أي سبعون ألف درهم، وذلك حسب أحجامها، وكان الدينار في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) تُشترى به شاة، وأحياناً كانت قيمتها دينارين، حسب المستفاد من رواية عروة البارقي، والشاة قيمتها في العراق معدلاً 300 دولار، فالعشرة آلاف درهم تساوي ألف دينار، أي ألف شاة، أي ثلاثمائة ألف دولار! وسبعة آلاف دينار تساوي مليونين ومائة ألف دولار! وهو رقم مذهل حقاً!.

وحسب هذه الرواية، فإنّه لو دار الأمر بين أن تذهب إلى صديق يعطيك بدرة (بها عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار)، وبين أن تذهب إلى صديق عالم يعلّمك جواب شبهةٍ أو طريقةً لإبطال كيد الشيطان وتمزيق شبكته، فإنّ الأفضل دون ريب هو الثاني، وذلك لأنّ مال الدنيا عرض زائل، بل كثيراً ما يقود صاحبه إلى النار، إذ يكنز الذهب والفضة، ﴿وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في‏ سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليم﴾، ويُلهيه التكاثر ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ويجترح المعاصي الكبيرة كالاحتكار والربا والغش والتدليس والرشوة… إلخ. بل حتى لو سلم من ذلك كله، فإنّ المال لا تُشترى به السعادة، ولا الآخرة تُشترى بالأموال، إلا لو صرفه كله للآخرة، أمّا ما يعلّمك العالم من كيفية التخلّص من شبكة إبليس، فهو الذي ينقذك، وكلَّ من أرشدته وحفظته، من هلاك سرمدي، ومن السقوط في أعماق الهاوية التي تقود، لا سمح الله، إلى النار، وبذلك نعرف بعض فضل العلماء الصالحين.

سوء الظن بالمؤمنين والعلماء مُحرّم

إنّ سوء الظن بالمؤمنين، فكيف بالعلماء والصالحين، من الرذائل الخلقية شديدة القبح والسوء، بل هي، بحسب عدد من الفقهاء، من المحرّمات،

وقال صاحب الجواهر، في ضمن تعداد ما يقدح في العدالة: “وقد ذكر الأردبيلي جملة منها ـ أي ممّا يقدح في العدالة ـ ومن أخبارها كهجر المؤمن… ومنها: النميمة… ومنها سباب المؤمن، ومنها سوء الظن، ومنها الغيبة والبهتان، ومنها طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم، ومنها إيذاء المؤمنين واحتقارهم والاستهزاء والسخرية بهم”.

وقد عنون صاحب الوسائل الباب 161 بـ(باب تحريم تهمة المؤمن وسوء الظن به).

وقال المولى النراقي في جامع السعادات، تحت عنوان (سوء الظن بالخالق والمخلوق): «فلا يجوز تصديق ـ الشيطان ـ اللعين في نبأه، وإن حفّ بقرائن الفساد، ما احتمل التأويل والخلاف… ولو أخبرك عدل واحد بسوء من مسلم، وجب عليك أن تتوثق أخباره من غير تصديق ولا تكذيب»، وعلّله بتزاحم (سوئي الظن)، وأضاف: «مع احتمال كون العدل المخبر ساهياً أو التباس الأمر عليه، بحيث لا يكون في إخباره خلاف الواقع آثماً وفاسقاً» .

كيف نعالج سوء الظن بالمؤمنين؟

ولا بأس بالإشارة إلى أحد الحلول الناجعة لسوء الظن:

1– أسِئِ الظنّ بنفسك، وأحسِن الظنّ بالمؤمنين، واستكشف مواطن الخلل والنقص في ذاتك، فـ«طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ»، وتذكّر حديث موسى (عليه السلام) مع الرب في قضية ذلك الكلب. ولذلك يقول الإمام السجاد (عليه السلام): «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلَا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلَّا حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا، وَلَا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِراً إِلَّا أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا».

2– تعامل مع سوء الظنّ تعاملاً عكسياً، ولا تتّبع العثرات. يقول المولى النراقي (قدس سره): «ثم طريق المعالجة في إزالة سوء الظن: أنّه إذا خطر لك خاطر سوء على مسلم، لا تتبعه ولا تغيّر قلبك عمّا كان عليه بالنسبة إليه من المراعاة والتفقّد والإكرام والاعتماد بسببه، بل ينبغي لك أن تزيد في مراعاته وإعظامه له بالخير، فإنّ ذلك يقنط الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقي إليك خاطر السوء خوفاً من اشتغالك بالدعاء وزيادة الإكرام، ومهما عرفت عثرة من مسلم فانصحه في السِّر ولا تبادر إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطّلاعك على عيبه لتنظر إليه بعين الحقارة، مع أنّه ينظر إليك بعين التعظيم، بل ينبغي أن يكون قصدك استخلاصه من الإثم، وتكون محزوناً كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصان».

3– ابتعد عن عوامل الإثارة والتشويش: ابتعد عن الصديق النمّام، وقد ورد: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»، أي نمّام.

وقال الإمام علي (عليه السلام): «مُجَالَسَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَارِ»، وفي رواية: «محبّة الأشرار…»، فإنّ (مجالسة الأشرار) عامل، و(محبّتهم) عامل آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى