اراء

هل تتحرك الصين لاحتواء التصعيد بين السعودية وأنصار الله؟

بقلم: تمارا برو..

منذ اندلاع الحرب على إيران، أبدت بكين مخاوف متكررة من اتساع نطاق المواجهات العسكرية وتحوّلها إلى صراع إقليمي يصعب احتواؤه. ويبدو أن ما كانت تخشاه بدأ يتجسّد مع انتقال التصعيد إلى الجبهة السعودية-اليمنية، واستهداف منشآت حيوية داخل المملكة، بما فيها منشآت الطاقة والمطارات.

فقد شهدت الأيام الأخيرة هجمات من قِبل القوات المسلّحة اليمنية على مطار الملك خالد الدولي ومنشآت “أرامكو”، وسط تهديدات بمواصلة العمليات العسكرية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أكثر اتساعاً.

تتجه الأنظار اليوم إلى الصين بوصفها إحدى القوى الدولية التي تمتلك علاقات ومصالح تتيح لها المساهمة في احتواء توتر السعودية مع القوات المسلّحة اليمنية، من دون أن يعني ذلك استعدادها للانخراط المباشر في تعقيدات الصراع اليمني.

والصين بالتالي أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة، لا ترغب في الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية، أو تحمّل مسؤوليات أمنية تتجاوز نهجها الدبلوماسي التقليدي، ومن جهة أخرى، لا تستطيع تجاهل التهديدات التي تطال مصالحها الاقتصادية وشركاءها التجاريين ومصادر إمداداتها النفطية. لذلك، قد لا يتخذ شكل التدخل الصيني وساطةً مباشرةً تهدف إلى التوصل لتسوية سياسية شاملة، بل قد يتركز على توظيف علاقات بكين مع السعودية وإيران وأنصار الله لتقريب وجهات النظر، وتشجيع الحوار، والحد من التصعيد العسكري، بما يحول دون اتساع رقعة المواجهة وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية الصينية.

المصالح الصينية تحت ضغط التصعيد

لا تنطلق المخاوف الصينية من تصعيد السعودية وأنصار الله من اعتبارات سياسية أو إنسانية فحسب، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بمصالح بكين الاقتصادية والاستراتيجية المتنامية في المنطقة؛ إذ إن أي انزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع من شأنه أن يهدد أمن إمدادات الطاقة والممرات البحرية، ويعرض استثماراتها وشراكاتها الاقتصادية لمخاطر متزايدة. فالسعودية تمثل شريكاً رئيساً للصين في مجال الطاقة والتجارة والاستثمار، كما أن استقرار المنطقة يشكل عنصراً مهماً في ضمان استمرار تدفقات النفط والغاز والسلع إلى الأسواق الآسيوية.

وتبرز في هذا السياق العلاقات الواسعة بين شركة “أرامكو” السعودية والشركات الصينية، ولا سيما الاستثمارات المشتركة في المصافي ومجمعات البتروكيميائيات داخل الصين. وبعض هذه الشراكات تحوّل العلاقة من مجرد تبادل تجاري للنفط إلى ترابط صناعي واستثماري طويل الأمد، يجعل استقرار الإنتاج والإمدادات السعودية مصلحةً مباشرةً للاقتصاد الصيني.

جهود صينية سابقة

على خلاف الاعتقاد بأن الصين بعيدة عن الملف اليمني، فقد سبق لبكين أن انخرطت في اتصالات سياسية مع أطراف الصراع، وإن ظل دورها محدوداً مقارنةً بالأدوار التي اضطلعت بها الأمم المتحدة وسلطنة عمان.

ففي عام 2016، استقبلت بكين وفداً من جماعة أنصار الله برئاسة محمد عبد السلام لبحث الأزمة اليمنية وسبل تسويتها سياسياً.

وفي عام 2017، سعت بكين إلى إعادة فتح قنوات التواصل بين أنصار الله والمبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد، بعد تعثر الاتصالات بين الطرفين بشأن ميناء الحديدة.

والحديث عن دور صيني حالي للتهدئة بين السعوديين والقوات المسلّحة اليمنية لم يعد مجرد احتمال نظري، بل يستند إلى تحركات واتصالات معلنة. ففي 17 أيلول الماضي، كشفت وكالة «رويترز»، أن السعودية طلبت مساعدة الصين عقب تصاعد عمليات أنصار الله، وأن بكين تواصلت مع طهران بصورة غير معلنة لحثها على استخدام نفوذها للحد من التصعيد.

بكين بين الرياض وأنصار الله

تواجه الصين معادلةً دبلوماسيةً دقيقةً في التعامل مع التصعيد بين السعودية والقوات المسلّحة اليمنية؛ إذ تحرص على حماية شراكتها الاستراتيجية مع الرياض، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قنوات التواصل مع أنصار الله وإيران بما يتيح لها هامشاً للتحرك الدبلوماسي.

وقد عكست المواقف الصينية هذا التوازن؛ إذ أعربت بكين عن قلقها إزاء استهداف المنشآت المدنية ومنشآت الطاقة، مؤكدةً ضرورة احترام سيادة الدول وتسوية الخلافات بالوسائل السياسية. كما جددت دعمها للجهود الأممية والإقليمية الرامية إلى احتواء التصعيد. ويعكس هذا الموقف نهج الصين القائم على تجنب الانحياز العسكري والحفاظ على علاقات مع مختلف الأطراف.

لماذا تفضّل بكين التدخل غير المباشر؟

تقوم السياسة الصينية في الشرق الأوسط على الانخراط الانتقائي؛ إذ تتحرك بكين عندما ترى أن مصالحها تستدعي ذلك، من دون تحمّل أعباء أمنية وسياسية واسعة. وفي ظل التصعيد بين السعودية والقوات المسلّحة اليمنية، قد تفضل الصين تسهيل الحوار بالتنسيق مع سلطنة عمان والأمم المتحدة، مستفيدةً من علاقاتها مع مختلف الأطراف، بدلاً من قيادة وساطة مباشرة. كما يتيح هذا الدور لبكين حماية مصالحها، وتعزيز حضورها الدبلوماسي، وإبراز نهجها القائم على الحوار في مقابل المقاربة العسكرية الأميركية، من دون التورط في تعقيدات النزاع اليمني، أو تحمّل مسؤولية ضمان أي اتفاق محتمل.

كلما اتسعت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للصين في الشرق الأوسط، ازدادت حاجتها إلى الانخراط في قضايا المنطقة وتفاعلاتها السياسية والأمنية؛ لحماية تلك المصالح وضمان استقرار البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها. غير أن هذا الانخراط المتنامي لا يعني بالضرورة استعداد بكين للاضطلاع بدور شامل أو تحمّل أعباء الصراعات الإقليمية، بل يعكس مقاربةً صينيةً انتقائيةً وبراغماتيةً تقوم على التدخل عندما تتوفر الظروف الملائمة، وتتقاطع الفرص الدبلوماسية مع مصالحها الاستراتيجية، مع تجنب الانجرار إلى التزامات سياسية أو أمنية تتجاوز حساباتها.

فالصين لا تسعى بالضرورة إلى أن تصبح ضامناً لأمن الشرق الأوسط، لكنها باتت تدرك أن حماية مصالحها في المنطقة لم تعد ممكنةً بالاعتماد على الاقتصاد وحده. وفي الوقت نفسه، تستحضر دروس التجربة الأمريكية، بعدما شهدت كيف تحوّل الانخراط العسكري في صراعات المنطقة إلى مستنقع من الاستنزاف السياسي والعسكري طويل الأمد. ولذلك، تسعى بكين إلى تحقيق توازن بين حماية مصالحها وتجنب التورط في صراعات المنطقة عبر دور دبلوماسي أكثر حضوراً، لكنه يبقى محكوماً بسياسة الانخراط الانتقائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى