تنويع الإيرادات.. وعود حكومية تنسفها هيمنة النفط على الموازنة

بعد فشلها في دعم الخزينة العامة
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
ما زال الاقتصاد العراقي يرزح تحت هيمنة الإيرادات النفطية التي تشكل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة، رغم الوعود الحكومية المتكررة بتنويع مصادر الدخل وتعزيز الإيرادات غير النفطية وتنشيط القطاعات الإنتاجية، إذ لم تنجح الحكومات المتعاقبة حتى الآن في إحداث تحول حقيقي ينهي اعتماد البلاد المفرط على النفط ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الأزمات والتقلبات الإقليمية.
وتشير بيانات البنك المركزي الأخيرة إلى أن الإيرادات النفطية تستحوذ على النسبة الأكبر من الإيرادات العامة وتصل الى 93 بالمئة، فيما لا تزال مساهمة الإيرادات غير النفطية محدودة جدا ولا تتعدى نسبة 7%، على الرغم من امتلاك العراق موارد مالية متنوعة يمكن أن تشكل رافداً مهماً للخزينة العامة إذا ما أحسنت إدارتها واستثمارها، ويعكس هذا الواقع اتساع الفجوة بين الخطط الحكومية المعلنة لتنويع الإيرادات والنتائج المتحققة على أرض الواقع.
وتتوزع الإيرادات غير النفطية بين الضرائب ورسوم الإنتاج، والإيرادات التحويلية، فضلا عن أموال المنافذ الحدودية والمرور والجنسية والجوازات، غير أن جزءاً من هذه الموارد ما زال يثير تساؤلات بشأن آليات تحصيله وإدارته ومدى انعكاسه على الحسابات المالية الرسمية، الأمر الذي يستدعي مزيدا من الشفافية والرقابة لضمان وصول الأموال إلى الخزينة العامة.
وفي السياق نفسه، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي عبد الحسن الشمري في حديث لـ” المراقب العراقي”، أن “العراق يمتلك مصادر دخل غير نفطية يمكن أن تسهم في تخفيف الضغط عن الموازنة، إلا أن ضعف الإدارة المالية وتراجع كفاءة تحصيل الإيرادات، إلى جانب مشكلات الفساد والنفوذ السياسي، تحول دون الاستفادة الكاملة من هذه الموارد”.
وأشاروا إلى أن “الأموال المتحصلة من المنافذ الحدودية والجباية وغيرها من الأنشطة غير النفطية تمثل موارد مهمة، لكن تنظيمها وإدراجها ضمن الحسابات الرسمية يتطلبان إجراءات أكثر صرامة في الرقابة والمحاسبة”.
وأضافوا، أن استمرار ضعف استثمار هذه الإيرادات يفاقم اعتماد الدولة على النفط، في وقت تتزايد فيه الالتزامات المالية المتعلقة بالرواتب والنفقات التشغيلية والخدمات العامة، ما يجعل الموازنة أكثر عرضة للتأثر بأي تراجع في أسعار النفط أو انخفاض في الصادرات.
وشدد على ضرورة إخضاع جميع الإيرادات العامة لآليات رقابية واضحة، والكشف عن أوجه إنفاقها، ومنع الهدر المالي وضمان توجيهها نحو الأولويات الاقتصادية والخدمية.
وتبرز خطورة هذا الاعتماد مع تصاعد التوترات الإقليمية والاضطرابات التي تهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على صادرات النفط العراقية وإيرادات الدولة، وقد كشفت هذه التطورات هشاشة النموذج الاقتصادي الريعي الذي يعتمد عليه العراق.
ومن جانب آخر، أكد المختصون، أهمية الانتقال من مرحلة التصريحات والخطط إلى إجراءات عملية لتفعيل القطاعات الاقتصادية الأخرى، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والقطاع الخاص، ولا سيما أن العراق يمتلك أراضي زراعية واسعة وموارد أولية وإمكانات بشرية يمكن توظيفها في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية جانب من احتياجات السوق المحلية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وأشاروا إلى أن الفساد وضعف البيئة الاستثمارية من أبرز العوامل التي تعرقل النهوض بالقطاعات الإنتاجية، بسبب ما يترتب عليهما من إضعاف المنافسة وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع ثقة المستثمرين.
وفي ظل التحديات المالية الراهنة، تبدو الحاجة صارت ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة السياسات الاقتصادية للبلد، ووضع برنامج واضح لزيادة الإيرادات غير النفطية وربطها بإصلاحات اقتصادية شاملة.



