اراء

وهم البديل.. لماذا لا تستطيع خطوط الأنابيب كسر معادلة هرمز؟

بقلم: محمد الأيوبي..

في خِضَمِّ كل أزمة تهدد الملاحة في مضيق هرمز تعود إلى الواجهة خطوط الأنابيب البديلة كحلٍّ سحري يُفترض أنه قادر على انتشال الاقتصاد العالمي من قبضة المضيق. غير أن قراءة متأنية للمعطيات التقنية واللوجستية والأمنية تكشف أن هذا الطرح أقرب إلى وهمٍ استراتيجي منه إلى بديلٍ عملي. فالجغرافيا، بكل قسوتها، لا تتفاوض، والأرقام لا تجامل.

الفجوة اللوجستية.. ثلث الحاجة لا يسدّ رمق العالم

يكفي أن نبدأ من الرقم الأكثر دلالة: يعبر مضيق هرمز في الظروف الاعتيادية نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمشتقات، ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي. هذا الرقم ليس فقط إحصائية، بل هو شريان حياة الاقتصاد العالمي. في المقابل، لا تتجاوز القدرة الفعلية لجميع خطوط أنابيب التجاوز الحالية مجتمعة 6.5 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل ثلث كميات هرمز فقط. حتى لو تحققت الطموحات المستقبلية لإنشاء سبعة خطوط أنابيب جديدة بطاقة مستهدفة تقارب 14 مليون برميل يوميًا بحلول أواخر 2028، فإنها ستغطي جزءًا فقط من الاحتياج العالمي، مع بقاء أزمة بنيوية في تعويض التدفق الكلي.

معضلة الغاز المسال.. حيث تنكسر الأنابيب

إذا كان بالإمكان ضخ النفط الخام عبر المسارات البرية، فإن الغاز الطبيعي المسال يمثل تحديًا هندسيًا واقتصاديًا لا حل له عبر الأنابيب. فبعد إسالة الغاز، لا يمكن نقله عبر خطوط الأنابيب؛ بل يتطلب موانئ متخصصة، ومحطات تسييل ضخمة مثل منشآت رأس لفان، وأسطولًا من الناقلات البحرية الضخمة. يمر عبر المضيق نحو خُمس تجارة الغاز العالمية، وأغلبها صادرات قطرية متجهة لآسيا وأوروبا. إغلاق المضيق يعني الشلل الفوري لقطاع الغاز دون أي نافذة برية بديلة. هذا ليس خيارًا استراتيجيًا يمكن تجاوزه بالهندسة، بل هو قدر جغرافي تفرضه طبيعة المادة نفسها.

هشاشة الأمن البري.. نقل المعضلة لا حلها

أثبتت الوقائع الميدانية أن خطوط الأنابيب الممتدة عبر آلاف الكيلومترات ليست ملاذًا آمنًا، بل هي نقل لمعضلة الأمن من البحر إلى البر. فالأنابيب لا تعمل بالجاذبية، بل تعتمد على شبكة معقدة من محطات الضخ لرفع ضغط السوائل. تعرض خط أنابيب “شرق – غرب” السعودي الممتد لـ 1200 كيلومتر لضربات دقيقة بطائرات مسيرة انتحارية أدى إلى إيقاف كامل لتدفق النفط لعدة أيام لإصلاح محطات الضخ. هذا يؤكد أن تدمير محطة واحدة كفيل بتعطيل الخط بأكمله. وحمّلت الرياض فصائل المقاومة العراقية المسؤولية، بينما نفت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ الهجوم، وقالت: “إن اتهامنا باستهداف المنشآت الحيوية السعودية شرف لا ندعيه”. لكن الأهم من هوية المنفذ هو الدرس المستفاد: محطات الضخ الواقعة على بعد مئات الكيلومترات داخل السعودية استطاعت إبقاء ميناء ينبع متوقفًا عن العمل لأيام، حتى بعد إعادة تشغيل الخط في 22 أيلول.

التكاليف الاقتصادية.. حين يصبح البديل أغلى من الأصل

تفرض المؤشرات المالية قيودًا صارمة تجعل فكرة الاستغناء التام عن الممر المائي أمرًا غير مجدٍ تجاريًا. فمشاريع خطوط الأنابيب العابرة للحدود، مثل المقترحات بين العراق وسوريا نحو المتوسط، تتطلب استثمارات تزيد عن 15 مليار دولار وتستغرق ما بين 4 إلى 5 سنوات من البناء الهندسي المعقد. وتقدّر “تشاتام هاوس” شبكة العراق – سوريا الأوسع بنحو 15 مليار دولار، مع قدرة أولية مقترحة تبلغ نحو مليوني برميل يوميًا، وإمكانية أن يستغرق البناء نحو أربع سنوات. وحتى الجدول الزمني الأقصر، الذي قدّمه رئيس الشركة السورية للنفط يوسف قبلاوي، والذي تحدث عن 30 شهرًا إلى ثلاث سنوات، يضع بانياس خارج نطاق أزمة الشحن الحالية، بافتراض تأمين الاتفاقات والتمويل.

المسارات الثلاثة.. قدرات معلنة وقيود واقعية

تمثل ينبع وجيهان وبانياس ثلاثة نماذج مختلفة تمامًا ضمن هذه البدائل عن عبور مضيق هرمز. تمتلك ينبع خط أنابيب يعمل بطول 1200 كيلومتر ومحطة تصدير قائمة، لكن الرقم الاسمي البالغ 7 ملايين برميل يوميًا يبالغ في تقدير القدرة القابلة للتصدير فورًا، في حين تظل تكاليف الشحن عبر البحر الأحمر والمخاطر المرتبطة بباب المندب مصدر قلق. أما جيهان، فهي تحمّل بالفعل الخام العراقي، لكن التدفقات العراقية الحالية تُقاس بمئات الآلاف، وليس بملايين البراميل يوميًا. وقد يوفر ميناء بانياس للعراق في نهاية المطاف منفذًا كبيرًا على البحر المتوسط، لكنه في الوقت الحالي لا يزال مشروعًا يحتاج إلى بنية تحتية وتمويل جديدين، فضلًا عن اتفاقات سياسية وحماية أمنية عبر دولتين هشتين.

السيادة والابتزاز السياسي.. عندما تصبح الإمدادات رهينة

تمر الأنابيب عبر أراضٍ تخضع لسيادات دول متعددة، ما يربط تدفق الطاقة بمدى استقرار العلاقات السياسية والتوافقات الإقليمية، ما يجعل الإمدادات رهينة لأي خلاف دبلوماسي أو نزاع حدودي مفاجئ. فخط أنابيب من حديثة باتجاه سوريا سيمر عبر غرب العراق، بما في ذلك مناطق لا تزال خلايا تنظيم “داعش” تشكل فيها مصدر قلق، قبل دخوله شرق سوريا، حيث لا تزال سلطة الدولة هشة وتواصل جماعات مسلحة نشاطها. وأشارت “تشاتام هاوس” في أيلول إلى أن جهات مسلحة، من بينها “داعش”، هاجمت آبار النفط وشاحنات الصهاريج في شرق سوريا، في حين يترك النظام الأمني في العراق عدة أطراف قادرة على عرقلة البنية التحتية أو تحصيل إيرادات منها.

سوريا.. حيث تُستهدف حلقة الوصل قبل أن تكتمل

تقدم التطورات الأمنية المتعلقة بمنشآت الطاقة في سوريا اختبارًا عمليًا للمخاطر التي يمكن أن تواجه أي مشروع مستقبلي لنقل النفط عبر أراضيها. ففي الوقت الذي يُطرح فيه ميناء بانياس بوصفه منفذًا محتملًا لصادرات النفط العراقي إلى البحر المتوسط، تتعرض البنية التحتية للطاقة في سوريا لحملة استهداف ممنهجة، تتوزع على أربعة حوادث رئيسة خلال أقل من شهرين، وتضرب خطوط الغاز ومحطات الكهرباء في الحسكة ودير الزور وحمص وريف دمشق، وكأنها تقول بوضوح: سوريا لن تكون ممرًا آمنًا للطاقة.

هرمز يبقى والوهم يتبدد

يظل مضيق هرمز محورًا رئيسًا لتجارة النفط في المنطقة، رغم استثمار الدول في تطوير مسارات بديلة لتجاوزه. وتنقل مسارات ينبع وجيهان وبانياس جزءًا من المخاطر المرتبطة بالمضيق إلى محطات الضخ، والممرات الصحراوية، وشركات التأمين، أو حكومات دول العبور. ولن تُقاس قيمة هذه المسارات بحجم الطاقة الاستيعابية المعلن عنها في مخططات المشاريع، بل بكمية النفط التي تتمكن من الوصول إلى الناقلات عندما يصبح طريق الخليج مهددًا.

ويحذر محلل الطاقة ريتشارد برونز من “إنرجي أسبكتس” من التعامل مع البنية التحتية البديلة باعتبارها بديلًا كاملًا عن مضيق هرمز، ويقول: “فكرة أن مضيق هرمز سيتوقف عن كونه مهمًا أو سيصبح بلا قيمة هي مجرد شعارات فارغة”. بناءً عليه، فإن أي استراتيجية طاقة إقليمية يجب أن تركز على تأمين وحماية الممر المائي والملاحة البحرية كخيار أول، والتعامل مع الأنابيب كصمامات أمان للاستخدام المؤقت والدعم الجزئي في أوقات الأزمات القصيرة فقط. فالحقيقة التي لا مفر منها هي أن الجغرافيا، بكل قسوتها، لا تتفاوض، وأن وهم البديل قد يمنح شعورًا زائفًا بالأمان، لكنه لا يغير من معادلة هرمز شيئًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى