الأقليات في سوريا وهاجس الأمان بين الانتهاكات وغياب العدالة

بقلم: نور ملحم..
في المجتمعات التي تمر بظروف سياسية وأمنية معقدة، لا تقتصر مسؤولية المؤسسات على فرض النظام، بل تشمل حماية الإنسان وضمان حقوقه، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو الاجتماعي.
وتصبح هذه المسؤولية أكثر إلحاحاً عندما تتعلق القضية بسلامة النساء والأطفال، أو باحتجاز الشباب، أو بمخاوف جماعات تشعر بأن قدرتها على الوصول إلى العدالة ليست مضمونة بالقدر الكافي.
في سوريا، أعادت حادثة الاعتداء المبلغ عنها بحق فتاة قاصر من عائلة خضور، في تشرين الأول 2026، تسليط الضوء على أهمية حماية الأطفال والتعامل الجاد مع الجرائم التي تستهدفهم. فمثل هذه الحوادث تستدعي التحقيق في ملابساتها، وتوفير الرعاية اللازمة للضحية وعائلتها، وصون خصوصيتها، بعيداً عن الشائعات والتوظيف السياسي أو الطائفي. ولا تكتمل العدالة بمجرد التحقيق في الواقعة، بل تتطلب أيضاً حماية الضحية من الضغوط، ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت إدانتهم.
إن تناول هذه القضية لا يستلزم توجيه اتهامات جماعية أو تحميل جهة بعينها مسؤولية لم تثبت، بل يقتضي التأكيد على حق كل طفل في الأمان، وحق كل أسرة في معرفة الحقيقة والحصول على الإنصاف. فحماية المدنيين مسؤولية عامة، ولا ينبغي أن تتأثر بهوية الضحية أو موقعها الاجتماعي.
وفي منطقة جيلجيت- بالتستان شمالي باكستان، تبرز قضية مختلفة تتعلق باحتجاز شبان ورجال دين شيعة، وما أثارته من تساؤلات بشأن الإجراءات القانونية وحدود استخدام التشريعات الأمنية. فقد شملت الاعتقالات، وفق المعلومات المتداولة، توسيف حيدر ومنصور حسين وقاسد وفيصل عباس، في قضايا ارتبطت باتهامات بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 1997 وقانون العقوبات الباكستاني وقانون المواد المتفجرة، وسط اشتباه في وجود صلات بلواء زينبيون، الذي حظرته السلطات الباكستانية في نيسان 2024.
ولا تكمن المسألة في إنكار حق الدولة في التحقيق في الأنشطة المسلحة، بل في ضرورة التمييز بين الاشتباه والأدلة، وبين الانتماء المذهبي والمسؤولية الجنائية الفردية. فحظر تنظيم لا يجعل كل شخص يتشارك مع أعضائه الهوية الدينية مذنباً، كما أن السفر إلى إيران أو المشاركة في أنشطة دينية لا يشكلان، بمفردهما، دليلاً على ارتكاب جريمة.
وتعود المخاوف أيضاً إلى قضية سيد آغا علي عباس والشيخ غلام عباس والشيخ أختر حسين، الذين ورد أنهم اعتُقلوا في 4 نيسان 2025 أثناء عودتهم من إيران عبر معبر ريمدان-غبد الحدودي. وقد شارك كاظم ميسوم، الذي كان يشغل منصب زعيم المعارضة في جمعية جيلجيت-بالتستان آنذاك، إلى جانب علماء دين، في المطالبة بالإفراج عنهم. وتظل معرفة الوضع القانوني الدقيق لكل محتجز ومصيره من المسائل التي ينبغي توضيحها استناداً إلى معلومات موثوقة.
وتتصل هذه القضايا بادعاءات أخرى عن احتجاز شبان شيعة خلال الفترة بين عامي 2018 و2022، ونقل بعضهم من منازلهم واستجوابهم بشأن سجلات السفر، مع مزاعم عن احتجازهم في أماكن غير معلنة أو تعرضهم لسوء المعاملة. وتحتاج هذه الادعاءات إلى تحقيق مستقل، لكن خطورتها تبرز أهمية الكشف عن أماكن الاحتجاز، وضمان التواصل مع المحامين والعائلات، والخضوع للرقابة القضائية.
ولا تقف آثار الاحتجاز عند الشخص المعني؛ إذ تتحمل العائلات أعباء البحث والقلق، وقد تتأثر سبل عيشها وتعليم أبنائها واستقرارها النفسي. وعندما يخشى الشباب التعبير عن مظالمهم أو المشاركة في الشأن العام، فإن المجتمع يخسر جزءاً من قدرته على معالجة مشكلاته بالوسائل السلمية.
وفي مدينة كويتا الباكستانية، تظهر صورة أخرى من التحديات، تتمثل في الهجمات الطائفية التي استهدفت أفراداً من المجتمع الشيعي الهزاري خلال سنوات سابقة. وقد أدت هذه الهجمات إلى سقوط ضحايا، وأثرت في حرية الحركة والتعليم والعمل، ودفعت بعض الأسر إلى البحث عن الأمان خارج مناطقها. وتوضح هذه التجربة أن حماية الأقليات لا تتعلق بالإجراءات القانونية وحدها، بل تشمل أيضاً منع العنف، وحماية الأماكن العامة، ومحاسبة مرتكبي الاعتداءات.
تختلف الحالات الثلاث في طبيعتها وسياقاتها، فالاعتداء على قاصر، والاحتجاز في إطار اتهامات أمنية، والهجمات التي تستهدف جماعة دينية، ليست وقائع متطابقة. لكن المقارنة بينها تتيح طرح سؤال مشترك: كيف يمكن ضمان ألا تتحول الهوية إلى عامل يزيد هشاشة الإنسان، أو يؤثر في قدرته على الحصول على الحماية والعدالة؟.
إن الأمن والحقوق ليسا هدفين متعارضين. فمكافحة الإرهاب والجريمة تتطلب أدلة وإجراءات قانونية واضحة، كما أن حماية المدنيين تتطلب التحقيق في الشكاوى بجدية، وعدم تجاهل المخاوف لمجرد أن أصحابها ينتمون إلى جماعة دينية معينة. وفي المقابل، ينبغي تجنب الاتهامات غير المثبتة والتعميم على المجتمعات أو المؤسسات بأكملها.
في سوريا وباكستان، كما في غيرهما من البلدان، يبدأ تعزيز الثقة من ضمانات عملية: حماية الضحايا، ومعرفة مصير المفقودين والمحتجزين، وتمكينهم من حقوقهم القانونية، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت إدانتهم. كما يتطلب الأمر معالجة مشاعر التهميش وتوفير قنوات قانونية وفعالة للتعبير عن المظالم.



