علامات الاستفهام تؤطرالأزمة المالية في العراق

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
يمرُّ الاقتصاد العراقي اليوم بحالة تدهور متسارعة وارتباك مالي واضح انعكس مباشرة على المواطن الفقير وجاءنا رئيس الوزراء بتبرير واحد كأنه قد هطل علينا بحكم القضاء والقدر برفع سعر صرف الدولار كعلاج وفق ما يدّعون للأزمة المالية وصعوبة توفير الرواتب ، بينما تبقى الأسئلة معلّقة إذا كان رفع صرف الدولار هو العلاج الضروري للأزمة المالية ولنتعامل مع العذر بحسن النوايا ونعتبره صادقا فهو لا يبرّر عبثا إداريا ولا تضخما مؤسساتيا بلا حساب . من هنا لابد أن نتساءل إذا كانت الأزمة المالية هي السبب فكيف تُضاعف المناصب وتُستحدث درجات رئاسية ومواقع جديدة ؟ كيف يمكن تفسير أن تُنشأ أو تُستحدث مستويات أعلى داخل الدولة بمنصب نائب رئيس وزراء وبلا شك لكل موقع مكتبه ومديرو مكاتب ومستشارون وحمايات ومواكب وخدم وحشم ؟ ألسنا هنا أمام مفارقة صادمة هي عجز عن توفير الرواتب ووفرة في الهياكل والامتيازات ، ثم نعود إلى نفس البوصلة إذا كانت الأزمة المالية هي السبب فلماذا تُستحدث وزارة جديدة باسم الذكاء الاصطناعي ؟ أليس من الأجدر ضمن حالة التقشف التي تعلن للناس أن يُنشأ ذلك كقسم يضاف إلى كل وزارة ؟ أليست الدولة حين تعجز ماليا مطالبة بإعادة ترتيب الأولويات لا تضخيمها ؟ والأشد إدانة في منطق الأزمة المالية هو ما يتعلق بضرورة هيكلة وزارات يُفترض أن تعيد الدولة عبرها تنظيم نفسها قبل أن تُمسّ لقمة المواطن الفقير وذوي الدخل المحدود . لماذا لا تُدمج وزارتا الزراعة والري في وزارة واحدة كما كان اسمها سابقا (وزارة الزراعة والري) ؟ أليس هكذا قرار هو إصلاح اقتصادي بتقليل التكاليف وتقليص النفقات ؟ لماذا لا تُلغى وزارة السياحة وتدمج مع وزارة الثقافة؟ لماذا لا تُلغى وزارة العلوم والتكنولوجيا وتُدمج مع وزارة الصناعة ؟ هذه ليست شعارات آيديولوجية بل أدوات جدية لتخفيض النفقات . إذا كانت الأزمة المالية هي السبب فلماذا لا يتم إلغاء وزارة الكهرباء الغائبة ودمج مهامها كمديرية أو جهاز فني ضمن وزارة النفط والطاقة ؟ وكذلك الأمر مع وزارة البيئة التي ينبغي أن تُلغى وتُدمج كمديرية ضمن وزارة الصحة بدل التشتت الإداري.، ثم أين يقع منطق الأزمة المالية مما يُسمّى بدعة وزارة دولة التي تعيّن وزراء ووكلاء ومديرين بلا وزارة ولا عمل مؤسسي واضح ؟ إذا كانت الموارد شحيحة فكيف تُصنع مناصب على هامش الحقيقة الإدارية ثم نطلب من المواطن أن يتفهم التقشف ؟ إذا كانت الأزمة المالية هي السب فلماذا لا يتم إلغاء مواكب المسؤولين ومئات الحمايات للرئاسات وحمايات الوزراء والنواب ؟ أليست الأموال تُصرف على هذه الاستعراضات الفوقية والامتيازات المكلفة ؟ لماذا لا يُعاد النظر بالرواتب الرئاسية والوزراء والنواب وإعادتها الى السلّم الطبيعي المعقول كباقي خلق الله ؟ لماذا لا تستولي الدولة على إيرادات العراق النفطية المنهوبة من قبل ساسة الأكراد في الشمال؟ أليس المواطن وهو يرى تلك الكلفة على حق حين يتساءل هل المشكلة حقًا في شح الدولار أم في وفرة الصرف على الرفاه الإداري غير المنتج ؟ أسئلة تفرض نفسها لأن المنطق لا يرحم حنى يصل السؤال إلى قلب السياسة المالية والأخلاق العامة ، لماذا لا تُستثمر هذه الإرادة في تقليص الهدر والفساد أولا بدلا من أن تنزل الفاتورة على موظفٍ لا يملك قرار الاستيراد ولا يتحكم بسعر الصرف ؟ إن العلاج الجدي كما يليق بالدولة يجب أن يبدأ من الفساد والمفسدين . ومَن يملك حق الفعل لا ينبغي أن يكتفي بالصراخ الإعلامي ولا بحلول شكلية انتهت وتلاشت كما حدث مع صولة الجميلي هنا وإجراء هناك ثم يختفي أثره في زحام الفاسدين وحصانات مافيات الفساد الكبرى شيعة وسنة وأكرادا ، العراق لا يحتاج إلى عروض بل يحتاج إلى منظومة تحُدُّ من الهدر وتقطع طرق النهب وتسترد المال العام . لب المشكلة هي وباء المحاصصة السياسية والطائفية والعرقية الذي يقف كحاجز أمام إعادة هيكلة المؤسسات لصالح الشعب المظلوم . إذا كان رئيس الوزراء يملك دستوريا صلاحيات لإقرار خطوات مؤلمة على الورق وممكنة على الأرض فلماذا لا تُترجم إلى قرارات ؟ إن حلول التقشف الإداري ودمج الوزارات وإلغاء الاستحداثات غير الضرورية وإلغاء المواكب والحمايات المبالغ فيها ليست تمنيات بل أدوات فعالة وجادّة داخل صلاحيات رئيس الوزراء فلماذا لم تخطر على باله ؟ إن لب المشكلة وعلة العلّة وحقيقة الحقائق هي في تأمين المصالح الشخصية غير المشروعة للأحزاب والكتل السياسية في تأمين الأموال المنهوبة واستمرار السطو على المال العام وهم من يقفون سدا منيعا أمام أي رئيس للوزراء، لكننا نأمل ونتأمل من الأخ الزيدي أن يكون بمستوى المسؤولية المناطة به فإما أن يقدم على إصلاحات حقيقية وإما أن يعلن الحقيقة ويستقيل لتكون له نقطة مضيئة في سيرته الشخصية والتأريخ المعاصر والسلام.



