المبادرات الحكومية تدور في حلقة مفرغة وتنتهي بالفشل

قيود الريع تُكبّل الاقتصاد العراقي
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
منذ عام 2003، ما زال الاقتصاد العراقي يواجه تحديات هيكلية كبيرة، رغم تعاقب الحكومات وتعدد البرامج والمبادرات التي أُعلنت بهدف تحقيق التنمية وتحسين الواقع المعيشي للمواطنين، وبينما يمتلك العراق موارد نفطية كبيرة وإمكانات زراعية وصناعية يمكن أن تشكل قاعدة لاقتصاد متنوع، لا تزال القطاعات الإنتاجية تعاني مشكلات مزمنة تحد من قدرتها على المساهمة في الناتج المحلي وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد، الأمر الذي يعيد فتح التساؤلات بشأن جدوى السياسات الاقتصادية المتبعة ومدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في بُنية الاقتصاد الوطني.
ويرى مراقبون، أن الحكومات المتعاقبة لم تتمكن لعقدين من الانتقال بالبلاد من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي متنوع، مشيرين إلى أن الاعتماد الواسع على الإيرادات النفطية جعل الموازنة العامة شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط وحركة الأسواق العالمية، في وقت لم تحظَ فيه الصناعة والزراعة بالاهتمام الكافي لتحويلهما إلى ركيزتين أساسيتين لدعم الاقتصاد وتوفير احتياجات السوق المحلية.
وأضافوا، أن العراق تحول تدريجيا إلى سوق واسعة لتصريف البضائع المستوردة، في ظل تراجع قدرة المنشآت الصناعية على المنافسة، وتزايد التحديات التي تواجه المزارعين، بدءاً من شح المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصولاً إلى صعوبات التسويق وضعف الدعم التمويلي.
وفي ملف البرامج الحكومية، أشار مراقبون إلى أن كثيراً من المبادرات التي طرحت خلال السنوات الماضية اتسمت بتشابه الأهداف، من دون أن تتخذ معالجات شاملة للمشكلات الاقتصادية الأساسية، واستشهد المراقبون بالمبادرات السكنية، ومنها مبادرة “داري” ومجمعات الورد والجواهري ومدينة الصدر الجديدة، وصولا إلى مبادرة “وطن” التي شهدت وضع حجر الأساس لمشاريع في محافظتي كربلاء المقدسة والنجف الأشرف مؤخراً.
وأوضحوا، أن هذه المشاريع لم ترَ النور رغم الدعاية الإعلامية التي ركزت عليها الحكومات السابقة، لكنها ذهبت أدراج الرياح وجاءت مبادرة أخرى شبيهة لها وربما ستصبح في طي النسيان مع انتهاء عمر الحكومة الحالية.
ولفتوا إلى أن تكرار البرامج الحكومية بصيغ متقاربة، من دون تقييم دقيق لنتائج التجارب السابقة ومعالجة أسباب تعثرها، قد يؤدي إلى استنزاف الموارد المالية من دون تحقيق التحول الاقتصادي المنشود.
وفي السياق نفسه، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي، د. فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “بناء اقتصاد متنوع يتطلب منح القطاعات الإنتاجية دوراً أكبر في رسم السياسات العامة، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والخدمات الإنتاجية”.
وأضاف، ان “الصناعة الوطنية تحتاج إلى تحديث خطوط الإنتاج، وتوفير الطاقة، وتسهيل الحصول على التمويل، وحماية المنافسة المشروعة، إلى جانب تطوير المهارات الفنية وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل”.
وبيّن، ان “القطاع الزراعي، يحتاج إلى خطط طويلة الأمد لإدارة المياه، وتطوير أساليب الري الحديثة، وتوفير البذور والمستلزمات الزراعية، وتحسين منظومات الخزن والتسويق والتصنيع الغذائي”.
وأشار إلى أن “دعم الزراعة لا يقتصر على زيادة الإنتاج الموسمي، بل يشمل بناء سلسلة إنتاج متكاملة تقلل الفاقد وتدعم الصناعات الغذائية وتوفر فرص عمل في المناطق الريفية، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي”.
وبحسب التقارير الاقتصادية، فإن معالجة المشاكل الإنتاجية لا تتحقق من خلال إجراء واحد، بل تتطلب إصلاح النظام الضريبي والكمركي، وتوسيع النشاط الاقتصادي الرسمي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتهيئة بيئة استثمارية مستقرة، كما أن نجاح الإصلاحات يتوقف على وضوح القرارات الحكومية بما يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين بالسياسات الاقتصادية.



