اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

توزيع الرواتب بالدولار.. مقترح إنشائي لا يستند الى رؤية اقتصادية

يُضعف العملة المحلية ويُعزز ظاهرة الدولرة


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..


أثار قرار مجلس الوزراء الأخير برفع سعر صرف الدولار أمام الدينار، موجة واسعة من الاستياء في الشارع العراقي، وسط تصاعد المخاوف من انعكاساته على أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والبضائع المستوردة، في وقت لا يزال فيه سعر الدولار في السوق الموازية يشهد تذبذباً ملحوظاً، مع تسجيل مستويات تتراوح بين 164 و169 ألف دينار لكل 100 دولار، وفقاً للأسعار المتداولة، رغم اعتماد السعر الجديد البالغ 152 ألف دينار لكل 100 دولار.
وأعاد القرار فتح باب النقاش بشأن السياسة النقدية والخيارات المتاحة لمعالجة الاختلالات المالية، إذ تباينت الآراء بين من يرى أن رفع سعر الصرف قد يوفر إيرادات إضافية للخزينة العامة، ويسهم في تقليص العجز المالي، وبين من يحذر من الأعباء المباشرة التي ستقع على المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والموظفين والمتقاعدين، نتيجة لارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطن.
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي والبرامج الاقتصادية في الفضائيات، تداول جملة من المقترحات التي تهدف إلى الحد من تأثير القرار، كان أبرزها الدعوة إلى صرف رواتب الموظفين بالدولار، استناداً إلى أن النفط الذي يمثل المصدر الرئيس لإيرادات العراق، يباع بالدولار، ويرى أصحاب هذا الطرح، أن ربط الرواتب بعملة الإيرادات النفطية قد يسهم، من وجهة نظرهم، في تقليل تأثير تقلبات سعر الصرف على دخول الموظفين، فضلا عن الحد من نشاط المضاربين في السوق الموازية.
في المقابل، تؤكد المبررات الحكومية المتداولة، أن قرار تعديل سعر الصرف يأتي ضمن حزمة من الإجراءات الرامية إلى مواجهة الضغوط المالية وتقليص عجز الموازنة المقبلة، فضلا عن التعامل مع الالتزامات المالية والديون المتراكمة، ووفقاً لهذا التوجه، فإن البدائل التي نوقشت لمعالجة الأزمة تضمنت خيارات أكثر صعوبة، من بينها اللجوء إلى الاقتراض الخارجي أو اتخاذ إجراءات تمس انتظام الإنفاق الحكومي، الأمر الذي قد يضيف أعباءً جديدة على الاقتصاد العراقي.
وتشير هذه المبررات إلى أن تعديل سعر الصرف ينظر إليه بوصفه أحد الخيارات المتاحة لتوفير موارد إضافية للدولة، إلا أن نجاحه في تحقيق الأهداف المالية المعلنة يبقى مرتبطاً بطريقة إدارة الإيرادات والنفقات، ومدى قدرة المؤسسات المالية على منع انتقال آثاره بصورة واسعة إلى الأسواق المحلية، كما أن تقليص العجز لا يتوقف على سعر الصرف وحده، بل يرتبط أيضا بحجم الإنفاق الجاري، وكفاءة التحصيل الضريبي والكمركي، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية.
وفي هذا السياق، برزت مطالبات بضرورة اتخاذ إجراءات رقابية أكثر فاعلية، للحد من ارتفاع الأسعار غير المبرر، ومتابعة حركة الأسواق ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار، إلى جانب مراقبة تعاملات السوق الموازية وملاحقة المضاربات غير القانونية.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن مقترح توزيع رواتب الموظفين بالدولار لا يمكن تطبيقه بالصورة التي يطرحها بعض المتداولين، محذراً من أن اعتماد هذا التوجه قد يؤدي إلى إضعاف دور العملة الوطنية وتعزيز ظاهرة الدولرة في الاقتصاد المحلي.
وأضاف، أن “هذا المقترح، بحسب تقديره، لا يستند إلى أسس اقتصادية وعلمية ووطنية واضحة، ولا يمثل خياراً قابلاً للتطبيق في الظروف الحالية، مشيرا إلى أن تحويل الرواتب إلى الدولار لا يعالج بالضرورة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، بل قد يفتح الباب أمام مشكلات جديدة تتعلق بطبيعة التعاملات المالية ودور الدينار في السوق المحلية.”
ولفت الخبير إلى أن “الموظف لا يعد بحكم طبيعة عمله من الفئات التي تتطلب حيازة الدولار بصورة مباشرة، خلافا للتجار وشركات السياحة والمسافرين وغيرهم ممن تفرض طبيعة أنشطتهم الاقتصادية الحاجة إلى العملة الأجنبية، وبناءً على ذلك، فإن تعميم صرف الرواتب بالدولار قد يؤدي إلى زيادة الطلب المحلي على العملة الأمريكية بدلا من الحد منه، بما قد يفاقم ظاهرة الدولرة ويعقد مهمة إدارة السياسة النقدية”.
وفي ظل استمرار الجدل، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الحكومة والجهات الرقابية على احتواء التداعيات المحتملة للقرار، ولا سيما ما يتعلق بأسعار السلع الأساسية والفجوة بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق الموازية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى