حين تصبح إهانة الإسلام حرية ويكون نقد إسرائيل معاداة للسامية

بقلم: د. بسام روبين..
يعيش العالم المعاصر وسط مفارقات صارخة ومعايير مزدوجة تكشف يوما بعد آخر عن هشاشة المبادئ الكبرى حين تصطدم بالمصالح والحسابات السياسية. ولعل أبرز وأكثر هذه المفارقات وجعا هي تلك التي تحكم نظرة المؤسسات الغربية والقوانين الإعلامية إلى قضايا الهوية والدين، حيث يرفع سقف حرية التعبير إلى أقصاه لتبرير الإساءة لمقدسات ورموز مليار ونصف مليار مسلم تحت ذريعة حرية الرأي، بينما يغلق ذات السقف تماما، وتشهر سيوف الاتهام والتشريعات الصارمة، بمجرد توجيه نقد سياسي أو حقوقي للسياسات الإسرائيلية أو الاقتراب من المحرمات المعتمدة في المنظومة الغربية.
وقد شهدنا مرارا وتكرارا تجاوزات خطيرة بحق الإسلام ومقدساته، بدءا من الرسوم المسيئة والخطابات الشعبوية التحريضية التي يقودها بعض السياسيين الغربيين، وصولا إلى حرق المصاحف في بعض العواصم الأوروبية بحماية أمنية رسمية. وحين ينتفض المسلمون غضبا أو استنكارا، يقابلون بمحاضرات مطولة حول قيم الديمقراطية وحق النقد والسخرية في المجتمعات الحرة، هكذا، يتحول الاستهزاء بمشاعر الملايين إلى ممارسة ديمقراطية، وتصبح إهانة الأديان ثمنا رخيصا مُباحا في سوق السياسة والإعلام الغربي.
وما صدر مؤخرا عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليقا على الاحتجاجات الطلابية والإضطرابات التي شهدتها فرنسا، وبدلا من قراءة الأزمات الاحتجاجية ضمن سياقها الاجتماعي أو المطلبي أو الاقتصادي المرتبط بنقص الموارد والخدمات المدرسية ، سارع ترامب إلى توظيفها في أتون التعبئة الهوياتية والعنصرية، معلنا بوضوح أن ما يحدث في فرنسا لا علاقة له بالمدارس، بل مرده هجرة جماعية خارجة عن السيطرة ورغبة الإسلام في السيطرة على بلد كان عظيما ذات يوم .
ومثل هذه التصريحات الفاقدة لأي موضوعية لا تكشف إلا عن عمق الاستغلال السياسي الممنهج للإسلام كفزاعة تخويف جماعي، وتؤكد كيف يسمح للخطاب اليميني الشعبوي في الغرب بالتحريض المقنن على الدين الإسلامي ومكوناته تحت غطاء حرية التعبير، بينما تكمم الأبواب وتسن القوانين الصارمة إن تعلق الأمر بحصانة أطراف أخرى مقدسة في الأجندة الغربية.
والمفارقة الكبرى فخ معاداة السامية، حين تتبدل القواعد تماما وينتقل النقاش من الفضاء الديني إلى الفضاء السياسي، فإذا حاول عربي أو مسلم أو حتى غربي منصف انتقاد الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية، أو تفكيك الأيديولوجية الصهيونية، فإنه لا يواجه نقاشا سياسيا مضادا، بل يصدم بجدار من التهم الجاهزة والعقوبات القانونية تحت مظلة معاداة السامية.
وهنا، يتم الخلط عمدا وبشكل ممنهج بين نقد ممارسات حكومة محتلة وبين العداء لليهود كعرق أو دين، لتصبح السياسة خطا أحمر لا يقرب، وتتحول المطالبة بالعدالة وحقوق الفلسطينيين إلى جريمة كراهية تنهي المستقبل المهني والأكاديمي لمن تجرَّأ على ارتكابها.
وهذه الثنائية الانتقائية تفضح بوضوح أن حرية التعبير في الغرب ليست قيمة مطلقة كما يدعون، بل هي أداة مسيسة تستخدم بازدواجية مقيتة، فهي حلال زلال حين تستهدف الإسلام والأمة العربية والمسلمة لخدمة أجندات شعبوية أو انتخابية، وهي حرام مغلظة ومحاطة بالأسوار وحبال المشنقة القانونية حين تتعلق بمصالح إسرائيل أو المحرمات المعتمدة لديهم.
وختاما:
أن العالم لا يمكنه أن ينعم بالسلام الحقيقي أو التعايش المتوازن ما دام ميزان العدالة مقلوبا، واحترام الأديان وحرية نقد السياسات يجب أن يكونا مسارين متوازيين يستندان إلى معيار واحد ثابت، احترام الإنسان، ورفض الظلم، وترك الاستهزاء بالجميع دون استثناء، أما استمرار سياسة الكيل بمكيالين، والتغاضي عن الخطابات الشعبوية التي تستهدف الإسلام ومقدساته، فلن تزيد المشهد العالمي إلا اشتعالا وانقساما فمتى يستيقظ العرب والمسلمون ويضعون حدا لتلك الممارسات القبيحة؟.



