الإمام العسكري (عليه السلام) ومسار التمهيد

إن المهمة المميزة في إمامة الإمام العسكري “عليه السلام” كانت التمهيد لولادة الإمام المهدي “عجّل الله تعالى فرجه الشريف” وغيبته الصغرى والكبرى، والارتباط الصحيح به وضرورة الانتقال بالشيعة من نقطة اتصال مباشرة بالمعصوم إلى نقطة اتصال غير مباشرة، وتعتبر هذه المرحلة من أدق المراحل على الفكر الشيعي منذ النبي محمد “صلى الله عليه وآله” إلى عهد الإمام العسكري، لذلك كان على الإمام أن يكثف أحاديثه وأن يقوم عملياً كما سيتضح بالتمهيد للغيبة.
ويمكن تلخيص دور الإمام “عليه السلام” في هذا الاتجاه بما يلي:
1 – النص على الإمام وتعريف شيعته به: عن محمد بن عبد الجبار قال: قلت لسيدي الحسن بن علي “عليه السلام” يا بن رسول اللّه، جعلني اللّه فداك أحب أن أعلم من الإمام وحجة اللّه على عباده من بعدك، فقال “عليه السلام”: إن “الإمام وحجة اللّه من بعدي ابني، سمي رسول اللّه “صلى الله عليه وآله” وكنيته الذي هو خاتم حجج اللّه وآخر خلفائه”.
قال: “ممن هو يا بن رسول اللّه”؟ قال “عليه السلام”: “من ابنة قيصر ملك الروم، إلا إنه سيولد ويغيب عن الناس غيبة طويلة ثم يظهر”.
عن يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي “عليهما السلام” وهو جالس على دكان في الدار وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت سيدي، من صاحب هذا الأمر؟ فقال: ارفع الستر، فرفعته فخرج إلينا غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، دري المقلتين، شثن الكفين، معطوف الركبتين، في خده الأيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد “عليه السلام” ثم قال لي: هذا صاحبكم، ثم وثب فقال له: “يا بني ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثم قال لي: يا يعقوب، انظر من في البيت؟ فدخلت فما رأيت أحداً”.
2 – التأكيد على الصبر وانتظار الفرج: إن انتظار فرج الإمام من العبادات بل من أفضل الأعمال كما في الأحاديث المباركة. فإن أول ما يتوجب على الإنسان هو الصبر عند طول الغيبة وما يؤكد ذلك الرسالة التي أرسلها الإمام إلى علي بن الحسين بن بابويه القمي: التي جاء فيها: (عليك بالصبر وانتظار الفرج).. وقال النبي “صلى الله عليه وآله”: “أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج”.
3 –التحذير من الشك والضعف: قال “عليه السلام”: “إن لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسك فيها بدينه كالخارط شوك القتاد بيده”.
4– التمهيد العملي للغيبة: المقصود بذلك أن الإمام عين وكلاء وسفراء من خاصة أصحابه لتبليغ تعليماته وأحكامه إلى شيعته، وذلك بأسلوب التوقيعات والمكاتبات، وهذا يعتبر تمهيداً عملياً لما سيحصل في زمن الغيبة الصغرى.
5– مدرسة الفقهاء: اتسم عصر الإمام العسكري ومن قبله عصر الإمامين الهادي والرضا “عليهما السلام” باتساع رقعة التشيع، واتضاح معالم المدرسة الشيعية، لذلك دعوا إلى اتباع مدرسة الفقهاء التي تميزت عما سواها، بعدة أمور منها:
1– اعتماد الكتاب والسنة مصدراً للتشريع الإسلامي.
2 – الرجوع في تعلم الأحكام إلى المعصوم إن أمكن.
3 – الرجوع إلى الفقهاء الثقات حيث لا يمكن أو يتعسر الرجوع إلى الإمام المعصوم.
4 – الإفتاء بنص الرواية أو بتطبيق القاعدة المستخلصة من الرواية.



