عبد الله صخي.. الكاتب الذي منح الفقراء صوتاً حياً ينبعث من الأزقة الضيقة

المراقب العراقي/ ماجد حميد..
بعض الصراعات لا تُنتج الهزائم، بل تصنع الحياة، وتمنح الهوية معناها الأعمق، وتغرس جذورها في أزلية الطين وسحر سومر. وفي مقدمة هذه الملاحم، يقف الصراع الإنساني المرير لفقراء وكادحي الجنوب؛ أولئك الذين يصرون على انتزاع الحياة الكريمة من بين فكي العزل الطبقي، والقمع السياسي، وقسوة العيش.
فنحن أبناء الجنوب لم نكن يوماً من المفضلين لدى أهل السلطة والنفوذ؛ من عهود الإقطاع الغابرة إلى زمن البعث المقبور. كان الجميع يرون فينا جسراً للعبور نحو ضفاف مصالحهم، يطأون فيه على جثث أولادنا، دون أن يدركوا أننا ننقاد إلى تلك التضحيات بدافع مقدس لا يفهمون كنهه: عشق الوطن. وكما أوجزها الروائي الكبير وابن الثورة البار عبد الله صخي في روايته الخالدة خلف السدة: “هنا بيتي وهنا قبري”. لم تكن تلك الرواية مجرد حكاية تُروى أو توثيق عابر لحدث تأريخي، بل كانت تجسيداً لوطن اسمه “الثورة”؛ ذلك العشق الجنوبي الأبدي الذي ظل يصدر الإبداع والموت معاً فداءً للعراق.
عبد الله صخي؛ القاص والروائي والمترجم والصحفي البارز، يُعد من أنصع الأسماء الثقافية التي رصدت التحولات الاجتماعية والسياسية في تأريخ العراق الحديث، متتبعاً أثر المهمشين والكادحين. هو ابن مدينة الصدر المدينة السمراء الكادحة، ذاق مرارة الفقر كما يذوقها أي وسيم من أبناء الثورة، وعمل صبياً في البناء ليساعد عائلته، قبل أن يواصل تعليمه ويتقن الأدب الإنجليزي في الجامعة المستنصرية. ومن مقاعد الدراسة دخل أروقة الصحافة ونشر قصصه الأولى، حتى اضطرته الملاحقات السياسية والتعسف الأيديولوجي إلى مغادرة البلاد عام 1979 متجولاً بين بيروت ودمشق، حتى ألقى عصا التسيار في منفاه اللندني.
في الأوساط النقدية، يُعرف صخي بكونه كاتباً مُقِلاً لكنه صاحب أثر مكثف وعميق، يحترف فلسفة “النحت الرشيق” الخالي من الحشو والإنشاء الزائد. ومن شتات الغربة، شيد وطناً متخيلاً بحجم القلب يقاوم به النسيان، فكانت ثلاثيته الشهيرة الصادرة عن دار المدى:
خلف السدة (2008): ملحمة رصدت الهجرة المليونية لفلاحي الجنوب وصرايف الطين، وتحولاتهم الاجتماعية حتى تأسيس مدينة الثورة الصدر حاليا.
دروب الفقدان (2013): امتداد سردي واسع تناول الحياة الاجتماعية والسياسية الملغومة في العراق بين عامي 1964 و1980.
اللاجئ العراقي (2017): ختام الثلاثية الذي استعرض سيرة الشاب الكادح “علي سلمان” في رحلة نزوحه إلى دمشق ثم لجوئه الأخير إلى أوروبا.
ولم تقتصر تجربته على الرواية؛ فقد أصدر مجموعته القصصية الأولى حقول دائمة الخضرة (1980) بين بغداد وبيروت، متأثراً فيها بأساليب القاص الأرمني الأمريكي وليم سارويان، من حيث التقنية المكثفة واللغة الشاعرية التي تلامس الطفولة البائسة وأوجاع العمال المياومين. كما استثمر حصيلته الأكاديمية ليرفد المكتبة العربية بترجمات عالمية رفيعة، منها مجموعة هيرمان هيسه أنباء غريبة من كوكب آخر، ورواية الكاتب الكيني نغوجي وا ثيونغو الشهيرة النهر الفاصل.
لقد أجمعت الدراسات على أن أدب عبد الله صخي لم يكن مجرد حكايات عن حي منسي، بل نص احتجائي وأدبي مزدوج لإعادة رسم الخرائط الطبقية والاجتماعية التي حاولت الأنظمة طمسها. تكمُنُ ميزته الكبرى في أنه لم يكتب عن الفقراء من أبراج عاجية، بل منحهم صوتاً حياً ينبعث من الأزقة الضيقة، ومن بين شقوق الأرض التي نبتوا فيها وأحبوها حتى الموت.



