اخر الأخباراوراق المراقب

كيف تكون الولاية على الناس رحمةً لهم؟

محمد علي جواد تقي..

“لم يُنادَ بشيءٍ كما نُودي بالولاية”..الإمام الباقر عليه السلام.

لأسباب عديدة، يسود الاعتقاد بعدم جدوائية أن يتبع شخصٌ شخصاً آخر، مهما كانت العناوين والمضامين، وراح البعض يستشعر الهوان والضِعة اذا اقترح عليه أحدٌ اتباع شخص ما، لأن هذا يلغي فوراً دور الذات ونور العقل وكل ما يمتلكه الإنسان من قدرات مثل؛ الارادة، والاختيار، وأن يرضى لنفسه أن يُقاد معصوب العينين –كما يقول البعض- الى ما يريده غيره، لا ما يريد هو.

وعندما نضع النقاط على الحروف، ونتحدث عن ولاية الإمام المعصوم، وليس إمام الجماعة، أو إمام الجمعة –مثلاً- فإن رسائل التأييد المطلق تنهمر من جمهور المؤمنين مصحوبة بمشاعر الحبّ والودّ، وهو ما نلاحظه في طقوس الزيارات المليونية لمراقد الأئمة الأطهار، عليهم السلام، وأيضاً في المحافل والمجالس، بيدَ أن العبرة في التطبيق العملي، وأن تكون لهذه الولاية الحقّة مصاديق في حياتنا اليومية، لأنها من حيث المعنى اللغوي تعني الاتباع، وأصل الكلمة من فعل “يلي”، أي يتبع، ثم تكون حالة “اتباع” أو حالة “ولاية” مستمرة على طول الخط.

ففي عصر التطورات المذهلة والسريعة في عالم اليوم، من الصعب تحديد مكانة معينة لولاية الإمام المعصوم في العالم الرقمي –مثلاً- أو في تفسير الاحداث السياسية والاقتصادية المتلاحقة، وحتى في فهم المشاكل الاجتماعية المعقدة لوجود الكمّ الهائل من النظريات والافكار الموزعة على حقول؛ السياسة، والاقتصاد، والاتصالات، والتنمية وما الى ذلك، وفي أحسن الفروض؛ استحسان السيرة الطيبة للأئمة المعصومين، عليهم السلام، وما قاموا به في حياتهم، وما التزموه من منهج رباني في علاقاتهم مع مجتمعات زمانهم، ثم التعبير عن مشاعر الحب هذه بالخطابة والكتابة والشعر.

من المباحث المثيرة للاهتمام في قيمة الحرية عند الانسان، افتراض أن يكون حراً في الاختيار والتصرف في اللحظة الراهنة، وإن حصل شكّ في صحة العمل، فهذا لا يعني التخلّي عنه، مع وجود محفزات فكرية في الوسط الثقافي تدفع نحو الإصرار، والتحدي، وما الى غيرها من المصطلحات، ولكن ربما تكون بعض الشكوك والمحاذير في أعمال معينة لها مصاديق في قادم الأيام، كما يشخّص الطبيب خللا في مكان ما بالجسم بأنه سيتفاقم ويتحول الى مرض عضال في المستقبل إن لم يتم تداركه بشكل صحيح، أو التخلّي عن سلوك غذائي معين، أو التدخين أو أي حالة في الحياة اليومية.

وعدم التفاعل مع هذا الاستشراف للعواقب هو أكثر ما نلاحظه في واقع الحياة اليوم لاسباب كثيرة منها؛ تكريس حالة الاعتداد بالنفس، وإثارة مشاعر الاستقلال، وعدم الحاجة الى الآخرين، لاسيما في صفوف الشباب وطريقة تعاملهم مع الآباء والكبار في المجتمع.

أما السبب الثاني وراء استغاثة المعصوم بنا، فهو الإعراب عن الحبّ الحقيقي والعميق الذي لا تشوبه شائبة المصلحة، ولا النزعات النفسية الخاصة، فكل مشاعر المعصوم موظفة للمسلمين عامة، فهو يعد نفسه؛ حياً أو ميتاً صاحب ولاية إلهية عليهم الى يوم القيامة، بغض النظر عما هم عليه من الاعتقاد او الايمان او القناعة.

وفي زمانهم، كان المعصومون يشفقون حتى على أعدائهم، فضلاً عن سائر المسلمين، ليس لاتقاء شرّهم، او افتقادهم لعناصر القوة لمواجهتهم، إنما سعياً منهم للهداية الى طريق الحق، ولعل أبرز مثال لنا؛ رسول الله، صلى الله عليه وآله، عند فتح مكة، وكان قد أحجم عن هدر دم عدّة أشخاص كانوا من ألدّ الأعداء له وللرسالة، وأشدهم وطأة عليه، ومنهم الشاعر المعروف؛ كعب بن زهير، لما ألحقوا به من أذى نفسي بليغ بفعل هجائهم وسخريتهم وتسقيطهم طوال ثلاث عشرة سنة في مكة، ولكن التأريخ يسجل بأحرف من نور كيف أنه، صلى الله عليه وآله، أحجم عن إراقة دمائهم في اللحظات الاخيرة، بعد إعلان توبتهم، ومنهم ذلك الشاعر الذي كان موقف العفو من النبي الأكرم سبباً لنظم قصيدة تعد من عيون الشعر العربي، وحاز لقاءها البُردة التي كان يرتديها النبي، أعطاها إياه هدية وتكريماً له على تلك القصيدة التي خلّدها التأريخ باسم “قصيدة البردة”، وهكذا الحال بالنسبة للأئمة الاطهار من ولده، عليهم السلام.

وربما يكون هذا اللون المميز من الحب درساً لنا نتعلمه بتجنب الكراهية إزاء الآخر الذي نعده عدواً لنا “فأنت تحب هذا العدو وهو بالحقيقة، وفي جوهره ليس بعدو، ولكن سوء اختياره جعل منه عدواً لكي تجذبه، وتجره الى طريق الجنة، أما اذا أصرّ على طريق الموبقات والمهالك، فمن الواضح أن الواحد منّا يجب عليه أن يتبرأ من أعداء الله، ولا يحبهم بما هم أعداء الله”.

هنا نفهم جانباً من مسألة الولاية للمعصومين علينا والرامية الى تحقيق الخير والسلامة في حاضر الأمة ومستقبلها، وهذا يستدعي في منطق العقل اتباعهم منهجياً وسلوكياً للاستفادة من إضاءاتهم ورؤيتهم للامور حتى يتسنّى لنا التصرف الصحيح وإصدار الاحكام الدقيقة على أي حدث أو قضية في حياتنا اليومية، لاسيما فيما يتعلق بقضايا كبرى ومصيرية، مثل؛ السلم والحرب، والحب والكراهية، وكيف نتعامل مع القرآن الكريم، وكيف نطبق أحكام الشريعة بما لا يجعلنا نندم أو تُلحق بنا خسائر مادية ومعنوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى