اخر الأخباراوراق المراقب

من كربلاء إلى دولة العدل الإلهي

علي إسحاق..

في التاسع من ربيع الأول، تتقاطع في الذاكرة الدينية معانٍ تتجاوز حدود المناسبة الزمنية. فاليوم الذي يرتبط في الوعي الشيعي ببدء إمامة الإمام محمد بن الحسن المهدي “عجل الله فرجه الشريف”، يفتح سؤالًا أوسع من الاحتفاء بالمناسبة: ماذا يعني أن يعيش الإنسان زمن الغيبة وهو يؤمن بمشروع إلهي غايته إقامة العدل في الأرض؟ وهل يمكن للانتظار أن يتحول من حالة وجدانية إلى طريقة في النظر إلى الحياة، وإلى مسؤولية أخلاقية تتصل بسلوك الإنسان وموقفه من الظلم والفساد والكرامة الإنسانية؟.

تكتسب المهدوية معناها العميق حين تُقرأ بوصفها أفقًا للعدل، لا بوصفها فكرة مؤجلة إلى المستقبل. فالقرآن يضع وعدًا واضحًا بشأن المستضعفين حين يقول تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، كما يربط الاستخلاف بالإيمان والعمل الصالح في قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.

ومن هذه الزاوية يصبح الانتظار موقفًا من العالم؛ موقفًا يؤمن بإمكان العدالة، ويضع الإنسان أمام مسؤوليته في مقاومة ما يناقضها في حياته اليومية. لذلك تبدو العلاقة بين كربلاء والمشروع المهدوي أعمق من مجرد اتصال رمزي بين إمامين من أهل البيت “عليهم السلام”. فكربلاء تركت في الوعي الإسلامي سؤالًا لا يشيخ: ماذا يفعل الإنسان عندما تنحرف السلطة عن العدل، ويصبح السكوت عن الظلم جزءًا من استمراره؟ وقد لخّص الإمام الحسين “عليه السلام” دافعه في كلمته المشهورة: “إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بَطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي”.

هنا يتحول الإصلاح من شعار إلى معيار، وتتحول كربلاء من واقعة في الماضي إلى مقياس أخلاقي يمكن للإنسان أن يختبر به موقفه في الحاضر. من هذه النقطة تحديدًا يمكن فهم الصلة بين الحسين والمهدي “عليهما السلام”.

كربلاء حفظت في الوعي الإنساني معنى الوقوف أمام الظلم مهما كانت كلفة الموقف، والمهدوية تمنح هذا الموقف أفقًا يتجاوز لحظة الانكسار إلى وعد بانتصار العدل، لذلك لا تبدو كربلاء خاتمة لمشروع الإصلاح، كما لا تبدو المهدوية فكرة منفصلة عن تأريخ النبوات والإمامة؛ كلاهما يقع ضمن تصور ديني يرى أن الإنسان قادر على حمل مسؤولية أخلاقية تُجاه العالم، وأن الظلم مهما امتلك من أدوات القوة لا يتحول إلى حقيقة نهائية في مصير البشرية.

غير أن المعنى الأكثر أهمية للتاسع من ربيع الأول يبدأ عندما ينتقل مفهوم البيعة من اللغة إلى السلوك. فدعاء العهد، بما يتضمنه من تجديد للعهد والعقد والبيعة، يضع المؤمن أمام علاقة مستمرة مع الإمام الغائب، وهي علاقة لا تكتمل بكثرة الترديد وحدها، وإنما تحتاج إلى أثر في شخصية الإنسان. فالذي ينتظر إمامًا يقيم العدل يحتاج إلى أن يجعل العدل قيمة حاضرة في بيته وعمله وتجاراته وعلاقاته، والذي يتطلع إلى دولة تحفظ حقوق المستضعفين يحتاج إلى أن يراجع طريقته في التعامل مع الضعفاء، والذي يتحدث عن نصرة الحق يحتاج إلى أن يختبر صدقه عندما يصبح قول الحق مكلفًا.

وهنا تتحول المهدوية إلى مشروع لتربية الضمير. فالأمانة في الوظيفة، والصدق في التجارة، واحترام حقوق العامل، والوفاء بالدين، وصيانة المال العام، والامتناع عن استغلال حاجة الآخرين، والوقوف إلى جانب المظلوم، كلها تفاصيل تبدو صغيرة أمام الصورة الكبرى لدولة العدل، لكنها تمثل المجال الحقيقي الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان المنتظر. الدولة العادلة التي يتطلع إليها المؤمن لا تبدأ لحظة ظهور الإمام؛ جذورها تبدأ في الإنسان الذي يتدرب على العدل قبل أن يصبح العدل نظامًا عامًا.

وهذا المعنى يجعل التاسع من ربيع الأول مناسبة لإعادة النظر في مفهوم الانتظار نفسه. فالانتظار الذي يفصل الإنسان عن واقعه قد يتحول إلى حالة من السكون، بينما الانتظار الذي يدفعه إلى إصلاح ذاته ومجتمعه يصبح طاقة أخلاقية. ومن هنا يمكن فهم فلسفة الانتظار باعتبارها قدرة على الجمع بين الأمل والمسؤولية، أمل في مستقبل أكثر عدلًا، ومسؤولية عن عدم تكريس الظلم في الحاضر.

وفي البعد الإنساني، تتجاوز فكرة العدل حدود الانتماء الضيق. فالقرآن يخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا حين يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وفي هذا الأفق يصبح العدل قيمة تتسع للإنسان المختلف في قومه وثقافته وموقعه الاجتماعي، وتصبح كرامة الإنسان جزءًا من المعنى الذي يُنتظر ظهوره في العالم. فالمشروع المهدوي، في هذا الفهم، لا يستمد قوته من الانقسام بين البشر، وإنما من وعد بإعادة ترتيب العلاقة بينهم على أساس الحق والعدل.

ولأن العدل لا يعيش في السياسة وحدها، فإن الاقتصاد يمثل أحد الاختبارات اليومية للانتظار. فالمال يمكن أن يتحول إلى وسيلة للعمران حين تحكمه الأمانة، ويمكن أن يتحول إلى أداة لإذلال الإنسان عندما تحكمه الأنانية والاستغلال. ولهذا تأتي الآية القرآنية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ لتضع السلوك الاقتصادي داخل المجال الأخلاقي. فالتلاعب بالأسعار، والغش، والاحتكار، وأكل حقوق العمال، واستغلال حاجة الناس، كلها صور صغيرة من الظلم الذي يتعارض مع الصورة الكبرى لدولة العدل.

أما المعرفة، فهي وجه آخر من وجوه المشروع المهدوي. وقد ورد عن الإمام الصادق “عليه السلام” في الحديث المعروف: «العلم سبعة وعشرون حرفًا…» بما يفتح تصورًا واسعًا عن المعرفة الإنسانية وتطورها. وبعيدًا عن القراءة الحرفية للرواية، يمكن استحضار دلالتها الفكرية في الإيمان بأن المعرفة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود ما وصل إليه الإنسان، وأن بناء المستقبل يحتاج إلى عقل مفتوح على الاكتشاف والتعلم والتجدد. ومن هنا يصبح المنتظر الحقيقي أكثر اهتمامًا بالعلم، وأكثر احترامًا للعقل، وأقل استعدادًا للاستسلام للخرافة والتعصب والانغلاق الفكري.

وتكتسب كربلاء في هذا السياق وظيفة تربوية خاصة؛ فهي تمنح الانتظار ذاكرة أخلاقية. فعندما يقرأ الإنسان موقف الإمام الحسين “عليه السلام”، لا يواجه قصة تضحية فحسب، وإنما يواجه سؤالًا عن موقفه الشخصي من الحق عندما يصبح مكلفًا، وعن قدرته على حماية كرامة الآخرين عندما يكون الصمت أكثر راحة. ومن هنا تبدو زيارة الحسين “عليه السلام”، وشعائر عاشوراء، واستحضار سيرته، أدوات لإعادة بناء الوعي إذا تحولت من الذاكرة إلى ممارسة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه التاسع من ربيع الأول للإنسان المعاصر هو إعادة تعريف العلاقة بين الفرح والعهد. فالفرح بالمناسبة يمكن أن يتحول إلى طاقة اجتماعية إيجابية حين يقود إلى صلة الرحم، ومساعدة المحتاج، وإصلاح ذات البين، وإدخال السرور إلى حياة الآخرين. وقد وردت في مصادر الأدعية والفضائل روايات تتحدث عن التوسعة على العيال وإطعام الإخوان والإنفاق والشكر في هذا اليوم. وبذلك يأخذ الفرح معنى يتجاوز الحالة الشخصية ليصبح فعلًا اجتماعيًا يترك أثرًا في حياة الآخرين.

إن دولة العدل الإلهي التي تتطلع إليها العقيدة المهدوية تحتاج في المخيال الديني إلى أكثر من صورة السلطة العادلة؛ تحتاج إلى إنسان قادر على العيش داخل منظومة العدل. وهذه الفكرة تعيدنا إلى كربلاء مرة أخرى، حيث كان الصراع في جوهره صراعًا على معنى الإنسان، وعلى حدود السلطة، وعلى الحق في رفض الظلم. لذلك يصبح الحسين بوابة وعي إلى المهدوية؛ لأنه يعلّم الإنسان كيف يحفظ قيمة الحق في زمن الاختبار، بينما يمنحه الإيمان بالمهدوية أفقًا بأن التضحية من أجل العدل لا تنتهي في لحظة تأريخية محددة.

ومن هنا يمكن قراءة البيعة للإمام المهدي بوصفها عقدًا أخلاقيًا مع الذات قبل أن تكون إعلانًا عاطفيًا. أن تقول: «اللهم عجّل لوليك الفرج» يعني، في أحد أعمق مستوياته، أن تتمنى فرجًا للإنسان المظلوم وأن تعمل على صناعة مساحة من هذا الفرج في محيطك. أن تنتظر العدل يعني أن تتعلم ممارسته. أن تحب الحسين يعني أن تراجع علاقتك بالظلم. وأن تتطلع إلى دولة تحفظ الحقوق يعني أن تبدأ بحفظ حقوق من تقع مسؤوليتهم في دائرتك الصغيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى