اخر الأخبارالاخيرة

مشاحيف الأهوار تروي حكاية العراق للعالم

في ورشة متواضعة عند تخوم أهوار العراق، يواصل الحرفي جواد كاظم الأسدي منذ 35 عاما صناعة مشاحيف وطِرَّادات مصغرة تحاكي القوارب الأصلية بتفاصيلها الدقيقة، محولا حرفة ارتبطت بحياة سكان الأهوار إلى قطع تراثية تحمل ملامح المكان وتصل إلى مقتنين داخل العراق وخارجه.

ولا يتعامل الأسدي مع هذه القوارب بوصفها نماذج للزينة فحسب، بل يصنعها بطريقة تحافظ على تفاصيل المشحوف والطرادة الأصليين، بدءا من شكل الهيكل وانحناءاته وصولا إلى أدق الأجزاء التي تحمل أسماء متوارثة بين نجاري الأهوار.

وتبدأ رحلة صناعة القطعة برسم مخططها على الأرض، ثم تنفيذ ما يُعرف بـتسطير الچابَش، ووضع الصبرات في المقدمة والنهاية، قبل قص الحواف والانتقال إلى مرحلة التجويس لتشكيل الجسم الداخلي. وبعدها تأتي مراحل الخيال والصبرة والدرس والغزيل، وصولا إلى الهمص، لتكتمل بذلك ملامح القارب المصغر.

ويحتاج الأسدي إلى نحو خمسة أيام لإنجاز قطعة واحدة، لذلك لا يتجاوز إنتاجه الشهري عادة خمسة أو ست قطع، مستخدما أنواعا مختلفة من الأخشاب، من بينها الجاوي والچام الأبيض والخشب المعاكس.

وتختلف أسعار هذه المصغرات بحسب الحجم، إذ تبدأ من نحو 200 ألف دينار لقياس 50 سنتيمترا، وترتفع إلى 250 ألفا لقياس 75 سنتيمترا، و300 ألف لقياس متر واحد، فيما يصل سعر القطعة ذات القياس 120 سنتيمترا إلى 400 ألف دينار، ويعد قياس 50 سنتيمترا الأكثر طلبا لدى الزبائن.

ولا تقتصر أعمال الأسدي على المشاحيف والطرادات العراقية، فقد نفذ أيضا نماذج لقوارب أخرى، من بينها الجندول الإيطالي، إلى جانب نماذج مستوحاة من قوارب الأهوار التي ظلت جزءا من ذاكرة المنطقة وحياة سكانها لعقود طويلة.

وبمرور السنوات، غادرت أعمال الأسدي حدود ورشته، إذ اقتنى السياح الأجانب عددا من قطعه ونقلوها إلى بريطانيا وكندا وإيطاليا، كما انتشرت نماذجه داخل العراق بوصفها قطعا تراثية تزين المنازل والدواوين.

ومن أبرز القطع التي نفذها الأسدي طِرَّادة مصغرة أهديت إلى بابا الفاتيكان خلال زيارته إلى زقورة أور في محافظة ذي قار، في واحدة من المحطات التي منحت هذه الحرفة المحلية حضورا خارج حدود العراق.

وهكذا، تتحول أخشاب بسيطة في يد جواد الأسدي إلى قوارب صغيرة تحمل قصة الأهوار، وتعيد تقديم المشحوف والطرادة بوصفهما رمزين من رموز الحياة العراقية، لا مجرد أدوات كانت تعبر المياه، بل ذاكرة تراثية تواصل رحلتها من الورشة إلى بيوت العراقيين والعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى