مخاطر تحريف وظيفة المناسبات الدينية.. إفراغ البعد الإصلاحي وتسييس الوعي

ليست المناسبات الدينية الكبرى مجرد محطات زمنية تستعيد فيها المجتمعات أحداث الماضي، ولا تقتصر قيمتها على ممارسة الشعائر التي تتكرر في مواعيد محددة، وإنما تستمد أهميتها كذلك من قدرتها على إعادة بناء وعي الإنسان، ومراجعة السلوك، وتجديد منظومة القيم، وتحريك المجتمع باتجاه الإصلاح.
وهذا المعنى يبدو أكثر وضوحًا في عاشوراء وزيارة الأربعين، حيث لا ينفصل استذكار الإمام الحسين “عليه السلام” عن قضية الإصلاح التي أعلنها منذ بداية نهضته بقوله: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.
ومن هنا يمكن النظر إلى الوظيفة الأساسية لهذه المناسبات من خلال معادلة واضحة، الإصلاح مقابل التسييس.
فالإصلاح يجعل المناسبة مصدرًا للقيم التي يُقاس بها الواقع، بينما يجعل التسييس الواقع السياسي ومصالحه الآنية إطارًا يعاد من خلاله تفسير المناسبة. والإصلاح يفتح الرسالة على الإنسان والمجتمع والدولة، بينما يضيّقها التسييس داخل حدود الحزب أو السلطة أو المحور الإقليمي أو الانتماء الطائفي. والإصلاح يبحث عما يمكن أن يتغير في الإنسان والمجتمع، أما التسييس فيبحث غالبًا عن كيفية توظيف الجمهور والرمز والحدث في معركة قائمة.
ولا يعني ذلك أن النهضة الحسينية يمكن اختزالها في المجال الأخلاقي الفردي أو عزلها عن قضايا السلطة والعدل والظلم والفساد والحقوق؛ فهذه القضايا تقع في صميم مشروعها الإصلاحي. لكن الفارق الجوهري يكمن في اتجاه العلاقة: هل تصبح قيم النهضة معيارًا للحكم على السياسة والسلطة والمجتمع، أم تتحول القضية الدينية نفسها إلى أداة تمنح المشروعية لطرف سياسي أو صراع إقليمي أو اصطفاف طائفي؟.
هذا السؤال يصبح أكثر أهمية مع ازدياد الحضور الجماهيري للمناسبات الدينية واتساع قدرتها على التعبئة والتأثير في الوعي العام.
الإصلاح بوصفه الوظيفة الأصلية
يقدم مفهوم «طلب الإصلاح» مفتاحًا أساسيًا لفهم النهضة الحسينية. فالإصلاح لا ينحصر في إسقاط حاكم أو تغيير وضع سياسي آني، وإنما يشير إلى عملية أوسع تستهدف تصحيح الانحراف في الإنسان والمجتمع والسلطة.
ولهذا يرتبط الإصلاح بالوعي قبل أن يرتبط بالفعل؛ لأن الإنسان لا يستطيع إصلاح واقع لا يفهم اختلالاته، ولا يستطيع مواجهة الظلم إذا كان عاجزًا عن تمييزه عندما يصدر عن الطرف الذي ينتمي إليه.
ومن هذه الزاوية تصبح عاشوراء مدرسة دائمة لمراجعة الذات والمجتمع. فالإنسان الذي يستمع إلى قصة كربلاء لا يفترض أن يخرج منها وهو أكثر معرفة بالتأريخ فقط، بل أكثر قدرة على مساءلة نفسه: كيف يتعامل مع الآخرين؟ كيف ينظر إلى السلطة؟ ما موقفه من الظلم؟ هل يقبل بالفساد عندما يخدم مصلحته؟ وهل يستطيع الدفاع عن العدالة عندما تكون مكلفة؟.
وعندما تنتقل هذه الأسئلة من أيام المناسبة إلى الحياة اليومية يتحول الاستذكار إلى وعي إصلاحي مستدام. وهذا هو الفارق بين مناسبة تنتهي بانتهاء موسمها ومناسبة تستمر آثارها في المجتمع طوال العام.
حين تحل التعبئة محل الإصلاح
الخطر يبدأ عندما تتراجع الوظيفة الإصلاحية أمام وظيفة أخرى هي التعبئة. فالمناسبة الدينية تمتلك قدرًا استثنائيًا من القدرة على تحريك الجمهور. فيها العاطفة والرمز والتأريخ والهوية والاجتماع البشري الواسع، كما تمتلك شبكات تنظيمية ومؤسسات اجتماعية وموارد تطوعية كبيرة. وهذه العناصر تجعلها بطبيعتها جذابة للقوى السياسية الباحثة عن الشرعية أو النفوذ.
وعندما يصبح السؤال الرئيس هو حجم الجمهور الذي يمكن تحريكه، لا مقدار الوعي الذي يمكن بناؤه، يبدأ الانتقال من الإصلاح إلى التسييس.
فالوعي الإصلاحي يريد إنسانًا قادرًا على التفكير والمراجعة والنقد وتحمّل المسؤولية، أما التسييس فيبحث عن جمهور يتحرك في الاتجاه المطلوب، وبهذا قد تتحول المناسبة تدريجيًا من مساحة تنتج الإنسان الواعي إلى مساحة لإعادة إنتاج الولاءات القائمة.
اختزال القضية الدينية في موقف سياسي آني
من أولى نتائج التسييس، اختزال الرسالة الكبرى في قضية سياسية محددة. فقيم الإمام الحسين “عليه السلام” لا تختصر في صراع سياسي معاصر مهما بلغت أهميته، لأنها تتصل بمفاهيم ممتدة: “العدل، الحرية، الكرامة، المسؤولية، الإصلاح، والوفاء، التضحية، ومقاومة الظلم”.
لكن عندما ترتبط هذه المعاني بحزب معين أو سلطة معينة أو محور إقليمي محدد، تصبح الرسالة الواسعة رهينة موقف سياسي يمكن أن يتغير خلال سنوات قليلة. الحزب قد يصعد ثم يتراجع والحكومة تتغير والتحالفات الإقليمية تتبدل، أما القضية الدينية فتبقى.
ولهذا تنشأ مشكلة خطيرة عندما يُربط الثابت بالمتغير؛ لأن إخفاق الطرف السياسي قد ينعكس تدريجيًا على الثقة بالرمز الذي استخدمه لتبرير مواقفه. فالسياسي يستفيد من المقدس حين يستدعيه لمنح موقفه شرعية إضافية، لكن المقدس قد يتحمل لاحقًا جزءًا من فشل السياسي.



