ما بعد الأربعين.. كيف اتسعت الزيارة من الهوية الشيعية إلى الحضور العالمي؟

لم تعد أهمية زيارة الأربعين تُقاس فقط بما يحدث في الأيام التي تسبق العشرين من صفر، ولا بالأعداد المليونية التي تتجه إلى كربلاء، بل بما يبقى بعد انتهاء الزيارة من صور وتجارب وذكريات وأسئلة تنتقل إلى خارج العراق، وتصل إلى أشخاص لم يسبق لهم معرفة كربلاء أو التعرف عن قرب إلى المجتمع الشيعي وثقافة زيارة الإمام الحسين عليه السلام.
وفي أربعين عام 2026 ظهرت مؤشرات لافتة إلى هذا التحول. فقد أعلنت السلطات المحلية في كربلاء مشاركة أكثر من 22 مليون زائر، بينهم نحو خمسة ملايين من خارج العراق، بينما كانت بيانات عراقية سابقة خلال موسم الزيارة قد تحدثت عن دخول زوار من 172 جنسية. ومع ضخامة هذه الأرقام، فإن الجانب الأكثر أهمية بعد انتهاء الزيارة قد لا يكون العدد نفسه، وإنما الطريقة التي بدأت بها التجربة تُقرأ وتُنقل في الفضاء العالمي: المشي، والتطوع، واستضافة الغرباء، والطعام المجاني، والرعاية الطبية، والتواصل بين أشخاص ينتمون إلى لغات وثقافات وبلدان مختلفة.
وتكشف متابعة بعض النقاشات الأجنبية على شبكات التواصل أن الاهتمام لم يعد مقتصرًا على السؤال عن معنى الأربعين الديني، بل اتسع إلى أسئلة من قبيل: من يمول كل هذه الخدمات؟ لماذا يفتح العراقيون بيوتهم للغرباء؟ هل يستطيع غير الشيعي المشاركة؟ ولماذا يقطع الناس عشرات الكيلومترات سيرًا على الأقدام؟ وهنا تبدأ مرحلة أخرى من زيارة الأربعين: مرحلة انتقال التجربة من الحضور المكاني في العراق إلى الوعي الاجتماعي والثقافي خارج العراق.
الأعداد الهائلة كانت لسنوات المدخل الأكثر شيوعًا لتعريف العالم بزيارة الأربعين. فهي واحدة من أكبر التجمعات الدينية السنوية في العالم، وتتكرر بصورة منتظمة، وتستقطب ملايين الأشخاص من داخل العراق وخارجه. وقد وصفت وكالة أسوشيتد برس الزيارة هذا العام بأنها من أكبر التجمعات الدينية السنوية، مع توثيق حركة الملايين نحو كربلاء وانتشار المتطوعين على الطرق لتقديم الطعام والماء والسكن والرعاية.
لكن الأرقام مهما كانت كبيرة، لا تشرح وحدها سرَّ التجربة. فالتحول الأكثر أهمية يحدث عندما ينتقل المتلقي من الدهشة بالعدد إلى محاولة فهم السلوك الإنساني الذي ينتج هذا العدد ويخدمه.



