تحليل الخطاب الإصلاحي في النهضة الحسينية

مرتضى معاش..
تحليل الخطاب الحسيني هو قراءة تدبرية في الكلمات والمفردات التي استخدمها الإمام الحسين عليه السلام في نهضته، وفهم ما تحمله من دلالات، وما أراد أن يوصله من خلالها إلى الأمة وإلى أعدائه. فالخطاب لا يُقرأ بوصفه مجموعة من الكلمات المنفصلة عن حركته، بل بوصفه منهاجًا يحدد الدافع والغاية والوسيلة والمرجعية، ويكشف طبيعة النهضة التي قادها الإمام عليه السلام من المدينة إلى كربلاء.
ومن أهم النصوص التي تكشف حقيقة هذه النهضة وأهدافها وصية الإمام الحسين عليه السلام إلى أخيه محمد بن الحنفية عندما خرج من المدينة إلى مكة، إذ قال:
«وإني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين.
هذه الوصية أصبحت مدار النهضة الحسينية ومحورها الإصلاحي. فكلام الإمام المعصوم عليه السلام كلام مقصود، وكل كلمة فيه موضوعة في مكانها ولها تموجات واسعة من المعاني. وكلام أهل البيت عليهم السلام متصل بالقرآن الكريم، كما جاء في حديث الثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي»، ولذلك نلاحظ أن مفردات الوصية تنفتح على دلالات قرآنية، وأن تحليلها كلمة كلمة يمنحنا رؤية أوسع لفهم النهضة الحسينية.
ولا تمثل هذه الوصية دفاعًا شخصيًا عن الإمام أو بيانًا تأريخيًا لأسباب مغادرته المدينة فحسب، بل هي وثيقة متكاملة تؤسس لمنهاج الإصلاح. فهي تبدأ بتنقية الدافع من الأشر والبطر، ثم تنفي الإفساد والظلم عن العمل والوسيلة، وتحدد طلب الإصلاح غاية، والأمة ميدانًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طريقًا، وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام مرجعية، وتجعل الحق أساس القبول، وتختم بالصبر والثبات والتسليم لحكم الله تعالى.
وبذلك تُجيب الوصية عن الأسئلة الكبرى التي تواجه أي حركة إصلاحية: لماذا يتحرك المصلح؟ وما الغاية التي يريدها؟ وبأي وسيلة يعمل؟ وعلى أي مرجعية يسير؟ وكيف يتعامل مع القبول والرفض؟ ولهذا فإن أي إصلاح يبتعد عن المعاني التي تتضمنها هذه الكلمات قد يرفع عنوان الإصلاح، لكنه لا يحقق الإصلاح الحقيقي الذي تحتاج إليه الأمة.
«لم أخرج» والخروج إلى ميدان المسؤولية
قال الإمام الحسين عليه السلام: «إني لم أخرج»، حيث تحمل كلمة «خرجت» في السياق أكثر من مستوى.
المستوى الأول هو الخروج المكاني، أي مغادرة المدينة إلى مكة بعد رفض البيعة ليزيد. فقد جاءت الوصية في حديث الإمام مع أخيه محمد بن الحنفية، ثم أعقبها خروجه من المدينة.
لكن الخروج لا يتوقف عند الانتقال من مكان إلى مكان، بل يحمل مستوى ثانيًا هو الخروج إلى المجال العام. فقد انتقل الإمام من موقف رافض داخل المدينة إلى حركة إصلاحية معلنة تخاطب الأمة وتكشف الانحراف. ولذلك كان خروجه خروجًا إلى ميدان المسؤولية، لا سفرًا عاديًا ولا تغييرًا في المكان وحده.
ويحمل الخروج مستوى ثالثًا، هو الانتقال من حالة السكوت التي أرادتها السلطة إلى الفعل الواعي الهادف. فقد كان من الممكن أن تقدم السلطة الإمام بوصفه طالب سلطة أو مثير فتنة، لذلك عرّف الإمام حركته بنفسه، ونزع عنها منذ البداية معاني المغامرة والانتقام والصراع الشخصي. فهو لم ينفِ الحركة، بل أكد ان حركته هي في إطار ميزان أخلاقي وشرعي.
والخروج قد يأتي مقابل الدخول، فالإمام عليه السلام لم يقبل الدخول في الأمر الواقع، ولم يدخل في صفقات السلطة ومصالحها، ولم يستسلم للواقع الفاسد، بل خرج من الحياة مع الظالمين ومن المحيط الذي يتعايش مع الطغيان والفساد. وهذا المعنى يظهر في قوله عليه السلام: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا».
غالبًا ما يستسلم الناس للأمر الواقع، ثم يتعايشون مع الظلم والمعاصي حتى يتحول الانحراف إلى جزء من حياتهم. أما الإمام الحسين عليه السلام فقد رفض هذا التعايش، وأعلن أن الحياة مع الظالمين ليست حياة حقيقية. فكان خروجه رفضًا للدخول في الفساد والظلم، وحركة لإخراج الأمة من الواقع السيئ واستنقاذها من الجهالة وحيرة الضلالة.
وهذا المعنى يتصل بقوله تعالى:
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)
الثقلين: كتاب الله وعترتي»(2).//////////////////
لقد نفى الإمام عليه السلام عن خروجه الدوافع التي ذمتها الآية، فلم يكن خروجه بطرًا ولا رياء للناس، ولم يكن لإثبات الذات أو نشر النزاع في الأمة، وإنما كان استجابة واعية لمسؤولية الإصلاح.
حركة استنقاذية إصلاحية
وتختلف التسميات التي تطلق على حركة الإمام الحسين عليه السلام. فبعضهم يسميها حركة، وبعضهم يسميها نهضة، وبعضهم يسميها ثورة. غير أن الإمام نفسه سماها «طلب الإصلاح»، وهذه التسمية هي الأقدر على بيان طبيعتها وغايتها. فهي ليست مجرد انفجار غاضب أمام الواقع، وليست رد فعل بلا ميزان، بل فعل عقلاني هادف يحمل معنى ومسؤولية.
والنهضة تعني استنهاض الأمة، وهذا متصل بما نقرأه في زيارة الأربعين: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة». فالحركة الحسينية حركة استنقاذية إصلاحية، هدفها إخراج الناس من واقع الفساد الذي يعيشون فيه. فالظالم يمنع الفضيلة والخير، وينشر الشر والفساد حتى يتعايش الناس معهما. ومن هنا كانت النهضة عملية استنقاذ للأمة وإعادة لها إلى وعيها ومسؤوليتها.
تطهير الدافع من الأشِر والبَطِر
قال الإمام عليه السلام: «لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا»، وقد بدأ بنفي الدوافع الفاسدة قبل إعلان الغاية، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، فإذا فسد الدافع تحولت العناوين الكبيرة إلى وسيلة لخدمة الذات، وإذا صلح الدافع أمكن للحركة أن تتجه إلى غايتها دون أن تنحرف بها الأهواء.
الأشر في اللغة ليس مجرد الفرح، وإنما الفرح المذموم الذي يختلط بالكبر والاندفاع والهوى والإعجاب بالنفس. والإنسان الآشر هو الذي تحركه أهواؤه، ويريد إظهار ذاته وتفوقه على الآخرين. وقد وصف القرآن هذا المعنى بقوله: (الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) لأن الآشر لا يجعل الحق غايته، وقد يستعمل الكذب والخداع ليصل إلى ما يريد.



