اخر الأخباراوراق المراقب

وجاءت زينب “ع”

محمد علي جواد تقي..

شاءَ اللهُ أنْ يراهُنّ سَبايا

جملةً قالها الإمام الحسين، عليه السلام، تجاوزت حدود اللحظة، وخرجت عن حدود فهم أولئك الذين دعوا الإمام بعدم اصطحاب النساء معه، لتمتد الى آفاق المستقبل الانساني لنعرف نحن اليوم جزءاً من الدلالة على فلسفة وجود المرأة في يوم عاشوراء متمثلة بالعقيلة زينب، سلام الله عليها، ونساء الإمام الحسين، عليه السلام.

في مثل هذه الايام الإمام الحسين مسجّى على الأرض ثلاثة أيام مع سائر جثامين الشهداء من الابناء والاصحاب، فيما قافلة السبايا تحركت نحو الكوفة بقيادتها هي معنوياً، فيما بقيت القيادة الظاهرية والقاسية لأتباع بني أمية حبيسة كتب التأريخ، فقد تحولت بعد ظهيرة العاشر من المحرم، من أخت وأم، الى قائد تحتضن الارامل والايتام بقلبها الكبير وصبرها الصلد، وفوق كل هذا؛ عاطفتها الجيّاشة، ولتكون المثل الأعلى للمرأة الناجحة في الحياة.

العاطفة قوة لا تُقهر

بدايةً؛ نؤكد أن اصطحاب الامام الحسين للنساء كان رسالة واضحة لسلمية حراكه المعارض للسلطة الأموية، وإنه إنما متوجه الى الكوفة استجابة لكتب البيعة التي وصلته بالمئات، فهو ذاهب ليبدأ حياة اجتماعية جديدة في هذه المدينة، وربما يعيد ذكرياته مع أخته وأفراد أسرته عندما كانوا في الكوفة قبل عشرين سنة في ظل وجود أمير المؤمنين، عليه السلام.

حتى مع محاججة بعض المقربين للإمام الحسين عن سبب هذا القرار مع وجود إرهاصات الخذلان واحتمال استشهاده في الطريق او أي مكان آخر، فإن الموضوع مُنتفٍ بالكامل، لأن إصراره، عليه السلام، على التوجه الى الكوفة لإلزام أهلها بتلك العهود والوعود التي قطعوها على انفسهم بأن “أقدم الينا، فقد أينعت الثمار وأخضر الجناب، وإنما تقدم على جُندٍ لك مجنّدة”، وإلا اذا كان الموضوع توفير السلامة للنساء والاطفال، فالأولى توفيرها لنفسه، وهو سبط رسول الله، وخليفته، وآخر ابن بنت نبي على وجه الأرض، ويفترض أن لا يفرط بنفسه أمام أناس جُبلت نفوسهم على النفاق والخذلان والازدواجية، ولكن للإمام الحسين مهمة كبرى تتجاوز حدود الزمن، وحدود الافكار، ضحّى من أجلها وأريق دمه الشريف، ودماء أبنائه واصحابه على أرض كربلاء.

المعركة في طابعها العسكري لم تستغرق سوى ساعات قلائل، وانتهى كل شيء بانتصار جيش عمر بن سعد عسكرياً، ولكن هنا تقتحم زينب الساحة بقوة غير متوقعة لذلك الجيش، وللنظام الأموي، بل وللتأريخ بأسره، وتقلب الموازين بسلاح قاهر يعجز أعتى الرجال عن مواجهته، وهي قوة العاطفة التي تحول الهزيمة العسكرية الى انتصار؛ “ما رأيتُ إلّا جميلا” في ردّها على مقولة ابن زياد بأنه قام بتصفية جسدية لأهل بيتها، كما حولت مشاعر الانكسار عند الأرامل والثكالى، الى مشاعر العزّ والكرامة بقرارها حظر دخول أية امرأة حرّة الى دار إقامة المسبيات في الكوفة، وقال: “لا تدخل عليها امرأة إلا مسبية أو أم ولد لأنهنّ سُبين كما سُبينا”، فقد حافظت حتى على هذه الجزئية من المشاعر الانسانية، وحتى لا يدخل في المرأة الحرة حالة الكبر والتعالي وهي تنظر الى سبايا الإمام الحسين، عليه السلام.

ليس من السهل استيعاب معاناة الأيتام والأرامل، وايضاً؛ آلام المشاهد المفجعة لاستشهاد أخيها الامام الحسين وأبنائه وإخوته، في قلب واحد، علماً أنها تشترك مع سائر النسوة الثكالى بفقدان اثنين من أبنائها؛ محمد وعون ابناء عبدالله بن جعفر الطيار، بيد أن عاطفتها المميزة كان لها تأثيره المميز ايضاً في بث السكينة في النفوس، وإلهامهم الصبر والتماسك، فأيّ صبر وعاطفة هذه تجعل من امرأة ثكلى بأولادها و إخوتها، ثم تسكب من معين صبرها وعاطفتها الجياشة في قلوب تلكم الارامل والايتام! ربما نخرج بنتيجة أولية؛ أن العقيلة زينب، سلام الله عليها كانت بمنزلة الأم الحقيقية للجميع في تلك الايام العصيبة.

وفي المشادة الكلامية بينها وبين طاغية الكوفة عندما استفزها بأن “كيف رأيك صنع الله بأخيك وأهل بيتك”؟! فأجابت: “مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَ تُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ –الفوز- يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ”، فقد صدمته بحقيقة شخصيته، وفي نفس المجلس، وبنفس القوة دافعت عن الامام زين العابدين عندما أمر الطاغية بقتله لأنه حاججه بالآية القرآنية بعد معرفته بأن اسمه علياً، ثم سؤاله الاستفزازي بأنه “أليس قد قتل الله عليا”؟! فقال الامام، عليه السلام: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}، مما أثار انزعاجه، ولكن انبرت عمته العقيلة لتقف حائلاً أمام هذا القرار الأهوج، وأعلنت أمام جميع الحاضرين في المجلس بأن “اذا عزمت على قتله فاقتلني قبله“.

الأمومة الدور البناء

في ذكرى السيدة أم البنين، سلام الله عليها، أشرت بشكل مختصر الى جانبٍ من هذه الشخصية العظيمة بالكشف عن حقيقة مُذهلة تتجسد فقط في أمهات مميزات من النوادر في التأريخ البشري مثل؛ العقيلة زينب، في أن تتناسى الأم مصيبة مقتل ولدها وتستذكر مصاب قتلى آخرين، وتجسد هذا في موقفها عند عودة قافلة الامام زين العابدين مع عماته وأخواته الى المدينة في القصة المشهورة، ولكن سبقتها العقيلة زينب، سلام الله عليها، بهذا الدور المميز خلال فترة السبي فهي لم تذرف الدمع على ابنائها قط، كما يحدثنا التأريخ، إنما رثت أخيها الامام الحسين، وأخيها أبي الفضل العباس، لمكانتهما من الإسلام، بمعنى أنها نجحت بشكل باهر في تأطير عاطفة الأمومة بإطار إيماني خالص من حب الذات والاستجابة غير الواعية لمشاعر الأمومة، كما فعلت أم البنين فيما بعد بسؤالها عن الإمام الحسين، المفترض الطاعة وخليفة رسول الله بالنسبة لها.

والقرآن الكريم يحدثنا عن تجربة أم نبي الله موسى، عليه السلام، وكيف أنها {كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} بعد أن وضعته في صندوق خشبي وألقته في البحر، لتكون أمومتها ايمانية أكثر منها عاطفية، وفي هذا درسٌ بليغ لبنات حواء بأن الله –تعالى- الذي غرز في نفوسهم مشاعر الحب والحنان للولد، فإنه يمنحهنّ القوة والتماسك في اختبار الايمان لمواجهة تحديات الظلم والانحراف والطغيان، كما حصل في عهد فرعون، ثم حصل في عهد السلطة الأموية، والمسيرة مستمرة حتى يومنا هذا، والى يوم القيامة.

من هنا نفهم أن العقيلة زينب، سلام الله عليها، قبل أن تطالب بالأمومة وتنفجر بمشاعرها العاطفية إزاء ابنائها الشهداء، فكرت في أفضل الطرق لنشر رسالة أخيها الامام الحسين، وهي الامتداد الحقيقي لرسالة جدها المصطفى، صلى الله عليه وآله، وهنا تحديداً تعرف المرأة المفتاح السحري للحصول على قوة شخصيتها بالإيمان والتوكل على الله –تعالى- وحده لا غيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى