ما وراء قصة الإمام الحسين عليه السلام؟

تبدو قصة الإمام الحسين عليه السلام بأحداثها المعروفة تأريخيا، ممكنة الحدوث في ظل واقع اجتماعي متدهور، غابت فيه القيم الأصيلة، وتم تشويه الرسالة النبوية من خلال حملات التحريف والتزييف التي اعتمدها يزيد واعتماده على زمر متخصصة بالتشويه والتضليل سواء عن طريق البدع الضالة التي أظهرها وروج لها المروّجون المرتزقون آنذاك، أو عن طريق إفساد العقائد الأصيلة واستحداث الدخيل منها والسعي لمنحها أسانيد فاشلة.
لذا فإن ما يمكن أن نفوز به كمسلمين من قصة الإمام الحسين أهداف كثيرة، حيث ساندت حملات التبليغ القرآني وجعلتها تستحصل النتائج الجيدة المتوخاة منها، بالإضافة إلى مساعدة عموم المسلمين على نشر القيم الإسلامية الصحيحة، ونشر العقائد البعيدة عن أي انحراف، مما جعل المسلمين على معرفة بدينهم وبالأحكام والتعاليم الصادرة عنه.
لذلك فإن قصة الحسين عليه السلام أسهمت بشكل كبير في نشر التقوى بين الناس، وأعطتهم التجارب والمعلومات والمواقف التي ساعدتهم على إمكانية الفرز بين ما هو خير وما هو شر، وإن كان أسلوب الأعداء يقوم على أساليب خبيثة تعتمد على خلط الأوراق وذر الرماد في العيون مما يجعل من كشف الحقائق أمرا في غاية الصعوبة، لهذا كان المسلمون بحاجة إلى من يضع أقدامهم على جادة الصواب، وملحمة الحسين عليه السلام قامت بهذا الدور.
ومما يجعل من قصة الإمام الحسين عليه السلام ذات عوامل مزدوجة تجمع بين العقل والعاطفة، أنها قصة واقعية حقيقية تحمل معها أصالة الأحداث وحقيقتها وإمكانية التعامل العقلي معها، ولكنها في الوقت ذاته، تُعد من الوقائع ذات البعد العاطفي الكبير، بسبب المآسي الإنسانية الكبرى التي رافقت أحداثها، وهكذا فهي قصة يمتزج فيها العقل والعاطفة معا، مما أعطاها نوعًا من التفرد الأصيل، حيث لا توجد في البشرية كلها قصة شبيهة بها.
التفاف الجماهير حول المنبر
وهذا الأمر من أهم الأسباب الذي دفعت الجماهير إلى الالتفاف حولها، والبحث في مكنونها وعمقها، وفي فهم غايتها ومعرفة تفاصيلها، ومن ثم استخلاص الدروس والعبر منها، وهذا ما حدث بالفعل منذ لحظة وقوعها وحتى يومنا هذا، حيث مضت عليها مئات السنين ومع ذلك ظلت بمثابة الشعلة الإيمانية العظيمة التي تفتح آفاق الوعي أمام الإنسان أينما كان.
ولعل عظمة قصة الإمام الحسين عليه السلام هي التي أوجدت مناصريها بنفسها، واستحدثت وسائل وأساليب نشرها وتوصيلها إلى كل من يحتاجها من البشر، ومن أعظم هذه الأساليب المناصرة والناشرة لها كما أثبت التأريخ هو (المنبر الحسيني)، وفي هذه المناسبة يكفي أن نشير إلى وقائع مقتل الإمام الحسين عليه الذي يتلوه الخطيب الخالد المرحوم (عبد الزهرة الكعبي) والذي يمزج فيه بين العقل والعاطفة وهو يرسم بالكلمات ما جرى من مصائب وويلات في ساحة معركة الطف التي دارت رحاها بين الخير والشر.
لذلك فإن قضية الإمام الحسين عليه السلام بقيت حية بتفاصيلها من خلال المنبر الحسيني، وبقيت أحداثها ووقائعها حية وكأنها تحدث اليوم رغم توالي القرون والعقود عليها، وبقي المسلمون في كل مكان وآن، يتفاعلون ويتعاطفون معها، بل حتى الأمم والمجتمعات الأخرى، غالبا ما اصطفت إلى جانب الحسين عليه السلام، ورفضت الظلم الذي تعرض له، وهذا ما يفسر تلك الرمزية الثورية العالمية للإمام الحسين.
وهنالك الكثير من الناس، وجدوا في قضية الإمام الحسين عليه السلام طريقا لهدايتهم، وهذا ما حدث مع أناس كثيرين كانوا بعيدين عن الإسلام وعن أحكامه وتعاليمه، بل غائصين في ومستنقع الجهالة والضلالة، ولا يعرفون من حياتهم وأيامهم غير الصراع والاقتتال من دون وازع من ضمير أو فطرة إنسانية.
فكل ما كانوا يلهثون وراء المنافع، والابتعاد على الاستقامة وسواء السبيل، ولكن وجود المنبر الحسيني بين هؤلاء الناس، ودوره في توضيح الأمور والجوانب الخفية في قضية الإمام الحسين، ورسمها عبر المنبر بشفافية وبلا تضخيم أو تحريف، جعلهم يستفيقون من إيغالهم في دروب الحرام، وعودتهم إلى الحق ومن ثم توبتهم التامة وعودتهم إلى الرشاد.



