سيحصل تغيير ما.. ولكن..!
لا ريب ان الأمم الحية؛ وفي مقدمتها تلك التي يضرب ارثها الحضاري؛ جذوره في أعماق التاريخ؛ كالعراقيين وهم شعب بلاد مابين النهرين العريق، تجد دوما سبلا لاستمرار مسؤولياتها، في رفد الإنسانية بعناصر الحضارة, ولأنها أمم حية، فإنها وهي في طريقها لأداء تلك المهمة، تقوم دوما بتصحيح مسارات التاريخ، حينما يحصل إنحراف في تلك المسارات.
المدة المنصرمة من تأريخ العراق القريب، وبالأخص منذ عام 1963، شهدت حراكا خارج نطاق حركة التاريخ المنطقية.
تأسس هذا الحراك قبيل ذلك بعدة عقود من الزمن، حيث تأدلجت العروبة، وتحولت إلى فكر عنصري، بكل أبعاد العنصرية الشوفينية، عبر طرح نظرية الرسالة الخالدة، سنة1947 من البعثيين.
ترك الحراك الخارج عن نطاق حركة التأريخ، أثارا مدمرة في البنية الاجتماعية للمنطقة، وكانت الأثار أكثر تدميرا في العراق، حيث كان من سوء طالعه؛ أن يكون مباءة لهذه النظرية ومرتعا لأبطالها السيئين.
صاحب هذا الحراك؛ نمو متسارع للظاهرة التكفيرية الطائفية، وسلوكها طريق الشر، الذي أسس له النظام البعثي، بسماحه بالتزاوج بين الفكر العنصري والتكفيري الطائفي، ما فاقم الشرخ بين أبناء شعبنا، وجعله مكونات شتى.
لقد تحولنا الى كومة من الخيوط المتشابكة، وثَقُلنا بالمشكلات، ووصلت الحال بالعراق حدا، لا يمكن معها إلا القيام بمعالجة كبرى، للخروج من الخانق الضيق، الذي وجد فيه الوطن بمواطنيه نفسه فيه، جراء الأخطاء الكبرى الناجمة عن تلك السياسات، التي أضرت بالبنية الوطنية، وتركت اثارآ لا يمكن تجاوزها؛ بجراحات عادية.
وضعنا الراهن؛ بات بحاجة الى جراحة كبرى وعاجلة، لتصحيح أخطاء التاريخ، وفي مقدمتها القيام بعملية واسعة، للتخلص من آثار حقبة الآثام، التي كان البعث ورجاله عنوانها الأبرز.
شعبنا وهو يبحث عن الخلاص، من حزمة المشاكل التي يعاني منها، والتي ليس ثمة أمل قريب، للتخفيف عنها أو حلها، فإنه يشعر بالخيبة، من الحراك السياسي الدائر هذه الأيام، بشقيه العلني والسري، تحت عنوان التسوية الوطنية والمصالحة المجتمعية، لأنه حراك يستبطن ايجاد دور ما للبعث ورجالاته، وإن أنكر ذلك المعنيون بشؤون التسوية والمصالحة.
تسوية المشكلات أمر لا بد منه؛ لتصحيح مسارات التاريخ المخطوءة، لكنها يجب أن تكون تسويات لا تؤسس لأخطاء جديدة، أو تعيد من تسببوا بالأخطاء الى واجهة التأثير، لذلك يتعين على أصحاب أطروحة التسوية، أن يتحلوا بشجاعة فائقة، ويقوموا بتحديد المستهدفين بعملية التسوية، بدقة وشفافية، وأن لا يتركوا الأمر للتكهنات والتوقعات والتحليلات الصحفية، التي غالبا ما تكون سببا لمشكلات جديدة!
كلام قبل السلام: سيحصل تغيير ما، لكن الذي سيحصل لن يكون الذي نريده!
سلام…
قاسم العجرش



