لماذا يخاف الحاكم من الشعائر الحسينية؟

محمد علي جواد تقي..
“لا أعطيكم بيدي إعطاءَ الذليل ولا أقرُّ إقرارَ العبيد“ الإمام الحسين، عليه السلام.
من مفارقات التعامل مع الشعائر الحسينية، وكل ما يتعلق بإحياء ذكرى الإمام الحسين، عليه السلام، في جميع البلاد الاسلامية، أنها من أكثر الفعاليات مبعثاً للحماس والتفاعل السلمي على صعيد الفرد والجماعة، وأكثرها على الساحة الاجتماعية والسياسية إيجابية، وفي نفس الوقت أكثرها تعرضاً للقمع والتحجيم والمضايقة بشكل أو بآخر، وعلى مَرِّ العصور.
الطقوس الظاهرية أم الافكار الجوهرية؟
أدرك الحكام منذ قرون مضت حقيقة النهضة الحسينية، وتفهموا –الى حد ما- قضية الإمام الحسين وحادثة استشهاده مع أهل بيته يوم عاشوراء، حتى من الناحية العقدية والمذهبية فإن معظم الطوائف الاسلامية لا ينكرون عليه، عليه السلام، خروجه على حاكم زمانه والوقوف بوجهه، ويتفهمون رفضه البيعة له، فاكتفوا بتأطير القضية كحدث تأريخي، بينما الموالون لأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله (الشيعة)، فإنهم يرون فيها ما هو أكبر وأوسع من التأريخ الصامت، فهي موضوع حيوي يعيش مع الانسان مثل نهرٍ جارٍ مصدر ينبوعه الدموي، معركة الطف، وبموازاة هذا النهر الدموي الجاري تُسكب العبرات، وتُلطم الصدور، وتظهر مختلف مظاهر الحزن على هذه الذكرى الأليمة على مدار السنة، ثم تبلغ الذروة في تصاعد مشاعر الحزن أيام محرم الحرام ثم أيام شهر صفر الخير.
ومن أجل التعامل السلمي مع هذه القضية السلمية، ارتأى الحكام والانظمة السياسية طوال قرون مضت على التعامل بطريقة المجاراة، لاسيما في بلدان يشكل فيها الموالون لأهل البيت نسبة كبيرة من السكان، بما يفترض الحذر في اختيار نوع التعامل بما لا يخلّ بإطار العلاقة بين الجماهير والسلطة الحاكمة، فكانت تتعامل مع المشهد طقسياً بحصر يوم العزاء المركزي والرئيس في يوم العاشر من محرم الحرام، ففي الدولة العراقية ثم يومٌ ثابتٌ في التقويم كعطلة رسمية، هو يوم العاشر من المحرم، ولم تكن الحكومات السابقة في الدولة العراقية الحديثة بعد الاستقلال، وحتى في العهد العثماني، تمانع من إقامة المآتم، وتسيير المواكب في الشوارع، إلا في حالات انفرد بها بعض الساسة بدوافع طائفية معروفة.
بيد أن التطور الثقافي والنضوج الفكري “للاجتماع الشيعي” بشكل عام، خرج على الإطار الطقسي لينطلق في رحاب الحياة ويجري تطبيقات عملية على الواقع الاجتماعي والسياسي من وحي التجربة الحسينية، الامر الذي أسفر عن بلورة الصراع الأبدي القديم بين الحق والباطل في الذهنية الشيعية، لتنتقل فيما بعد الى الذهنية الاسلامية بشكل عام، وأن الامام الحسين كان يشكل جبهة الحق، فيما كان يزيد بن معاوية يشكل جبهة الباطل، ومن هذه النقطة تحديداً انقدحت شرارة الخوف في القصور الرئاسية والملكية من آثار إحياء ذكرى عاشوراء، والخوف هنا ليس من أن يهدد المعزون بانقلاب عسكري –مثلاً- أو حتى تكون مظلة لحراك معارض في الشوارع كما يحصل في تجارب ثورية في بعض الدول، إنما ينظر الحكام الى ما هو أبعد من هذا الاحتمال، ويمكن الاشارة الى ثلاثة أمور طالما أرّقتهم طيلة السنوات الماضية، وما تزال:
الأمر الاول: القيادة
إن من آثار عاشوراء تحديدها لمعيار القيادة الصالحة وتمييزها عن القيادة الفاسدة، فالقضية تتجاوز التعاطف مع شخص الامام الحسين، عليه السلام، وأنه ابن بنت رسول الله، وقتل مظلوماً، لتطال المسؤول عن هذه الجريمة، ودوافعها ايضاً، وفي أي تطرق لمجريات الاحداث من على المنبر يتضح للسامع أن الطغيان والانحراف والفساد في كل زمان ومكان هو الذي يدفع لارتكاب جريمة تصفية المعارضين والمصلحين، كما فعل يزيد مع الامام الحسين.
الأمر الثاني: العِبرة
اذا كان الامر الأول يتعلق بالقيادة السياسية، فإن الامر الثاني يمثل القيادة لأفراد المجتمع والأمة بصياغة نمط التفكير والسلوك ومنظومة الأخلاق بشكل عام من خلال مراجعة جزئيات الاحداث التي كان أبطالها أشخاصا مثل؛ طوعة، تلك المرأة الكوفية التي آوت مسلم بن عقيل، في الجانب الايجابي، وشخص مثل عمر بن سعد الذي جعل الحصول على المال والامتيازات السياسية مبرراً لقتل الامام الحسين، عليه السلام.
وأي عبرة نتحدث عنها من واقعة الطف نجد لها انعكاساً في حياتنا اليومية، مثل الوفاء، والصدق، والشجاعة، والإيمان، والتوبة والتغيير الذاتي مقابل الخذلان، والجُبن، والازدواجية في الشخصية، وعبادة الذات والمال.
الأمر الثالث:
ويتعلق بذات الانسان وما يحمل من مشاعر وحالات نفسية خاصة، فقد لفت الحكام، ومن يدور حولهم من أشباه المثقفين، ظاهرة التفاعل الغريب لأفراد المجتمع على أعتاب اليوم الأول من شهر محرم الحرام، وتحديداً شريحة الشباب، وهذا ما يثير المخاوف والقلق أكثر من تحول الشباب بما يحملون من قدرات ذهنية وعضلية، الى قوة فاعلة للتغيير والإصلاح، في حين يرجون أن تكون هذه الشريحة رصيداً لهم لتنفيذ سياساتهم داخل المجتمع من خلال تعبئتهم بالمغريات والمثيرات طوال أيام السنة، ولكن اللافت جداً ملاحظة عدد كبير من الشباب، حتى غير الملتزم بالأحكام الدينية، وقد تملكه الحماس والتفاعل في المواكب الخدمية، أو في المجالس الحسينية، وفي مسيرات العزاء باللطم والضرب بالسلاسل على الظهور وغيرها من مظاهر الشعائر الحسينية.



