اخر الأخباراوراق المراقب

الوعي السياسي أم الوعي الديني؟

محمد علي جواد تقي..

سوء الفهم الذي كَلَّفَنا الكثير

ما ساعد المشاعر السلبية في اختراقها نفوس الناس –في مختلف البقاع الإسلامية- الفارق الكبير في الغايات والمناهج والوسائل، فالسياسة تتبع منهج “الغاية تبرر الوسيلة”، وتسعى لتحقيق مصالح مادية، بينما الدين يُعطي الأولوية للمعنويات بدءاً ببناء شخصية الإنسان وفق ملكات روحية وأخلاقية، مثل؛ التقوى، والصبر، والتواضع، والصدق، والأمانة، مروراً بتطبيق قيم دينية مثل العدل والحرية والمساواة، والى صياغة شخصية إيمانية تضع نُصب عينيها المحاسبة الكبرى بعد الموت يوم القيامة أمام الله –تعالى-، واذا أراد القيام بعمل ما فإنه يفكر بكل الامور المحيطة بهذا العمل، فهو “لا يطلب النصر بالجور” كما يقول أمير المؤمنين، عليه السلام.

هذا الفارق ظهر الى الوجود عندما تم إبعاد علماء الدين عن ساحة الحياة فانتهزت السياسة الفرصة لقيادة المشهد، طبعاً؛ الاسباب عديدة لسنا بوارد الخوض فيها، جزءٌ منها يعود الى أسباب داخلية وذاتية عند المسلمين، الى جانب أسباب خارجية واضحة تجسد في حركة الاستعمار طيلة قرنين من الزمن، فقد تمت صياغة الانظمة السياسية للبلدان الاسلامية بقوة السلاح وعلى أشلاء الناس، ومعروفٌ أن موضوع “الدماء”، والارواح من أشد ما يتوقاه عالم الدين الذي يتطلع الى يوم الحساب قبل النظر الى مجريات الامور في الحياة الدنيا، ومن نافلة القول؛ التذكير بصعوبة إصدار الفتوى لمواجهة السياسة كما حصل في إيران (التنباك)، وفي العراق (ثورة العشرين)، لخشية مراجع الدين من إراقة الدماء دون تحقيق الاهداف المنشودة بالقضاء على الظلم والانحراف والطغيان.

هنا تحديداً يمكن تسليط الضوء على المنطقة الرخوة في الفكر الاسلامي –الديني الذي استغلته “العواصم الكبرى” لإيهام الشعوب بأن سعادتهم تكمُنُ في اتباع ما يصدر من القصر الجمهوري أو البلاط الملكي، وأن المعارضة يعني إراقة الدماء والتورط في المخافر والسجون وغرف التعذيب، وحتى أعواد المشانق! بينما غاب عن الكثيرين أن هذا الفكر الممتد الى عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، يتضمن فقرات في مقارعة الظلم والانحراف من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتنكّر لكل أشكال الصنمية البشرية بعد تحطيم الصنمية الحجرية، وهذا هو الطريق الصحيح المؤدي الى السعادة لا غيره.

إن غياب هذا الوعي الجماهيري هو الذي جعل شخصاً مثل معاوية يصنع معياراً خاطئاً لرجل السياسة في الدولة الاسلامية، الامر الذي أغاض أمير المؤمنين بشدة عبر عنه بتقريع أهل الكوفة بخذلانهم إياه: “واللهِ ما معاويةُ بأدهى منّي ولكنّهُ يغدرُ ويفجرُ ولولا كراهيةُ الغدرِ كنتُ مِن أدهى النّاسِ ولكِنَّ كُلَّ غدرةٍ فجرة وكُلَّ فجرةٍ كفرة ولكُلِّ غادرٍ لواءٌ يُعرَفُ بهِ يومَ القيامةِ واللهِ ما أستغفلُ بالمكيدةِ ولا أستغمزُ بالشّديدة”، وبدلاً من أن يلتزم الناس –في التأريخ الغابر وحتى اليوم- بالممارسة الصحيحة للسياسة وفق الموازين السماوية، التزموا ظاهر الدين والأخلاق، وكل ما يجنّب الانسان تحمل مسؤولية الواقع الفاسد والتغيير نحو الافضل، فصار التركيز على قراءة القرآن الكريم، وتمجيده وحفظه والإشادة به، وأيضاً؛ بناء المساجد الفخمة، وتوزيع الغذاء على الجياع في المناطق الفقيرة، وهذا يستحسنه حتى السياسي الفاسد، بل وحتى الحاكم الظالم والطاغية، لأنه يجد في هذا ما يكسبه شرعية من الدين، وشعبية في النفوس، وليواصل الناس صلواتهم وصيامهم وحجهم –كما قال معاوية لأهل الكوفة- ويتسمر التوافد والحضور الغفير في المشاهد المقدسة في كل مكان، ويصلي الناس ويبتهلون إلى الله –تعالى- ليزيل هذه الغمّة عن هذه الأمة!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى