الإمام علي “ع” كما وصف علاقته بالرسول “ص”

عندما يحلُّ عيد الغدير ينشغل المسلمون عادة بالسؤال: ماذا أراد النبي أن يقول في غدير خم؟ وهل كان الغدير إعلاناً دينياً أم سياسياً أم شيئاً آخر؟ غير أن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية عن ذلك كله، وهو: من هو علي الذي قيل فيه ما قيل يوم الغدير؟ وما طبيعة العلاقة التي ربطته برسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم”؟.
لقد كُتبت آلاف الصفحات في الحديث عن الإمام علي “ع”، وتناولت كتب التأريخ والحديث والفضائل سيرته ومناقبه ومواقفه، لكن من أجمل ما يمكن أن نقرأه في هذا المجال هو ما قاله علي نفسه عن علاقته برسول الله. فهذه الشهادة لا تأتي من مؤرخ متأخر ولا من محب متحمس، وإنما من صاحب العلاقة نفسه.
في نهج البلاغة يصف الإمام علي قربه من رسول الله وصفاً يكاد يكون فريداً في تأريخ الشخصيات الإسلامية. فهو لا يتحدث عن مجرد صحبة أو قرابة، بل عن ملازمة كاملة للنبي منذ بدايات الدعوة وحتى اللحظات الأخيرة من حياته.
يقول في الخطبة القاصعة: “ولقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة… وكنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه”.
إنها صورة بليغة تختصر طبيعة العلاقة كلها. فالفصيل هو صغير الناقة الذي لا يفارق أمه ويتبعها في كل حركة وسكون. وبهذا التشبيه أراد الإمام علي “ع” أن يبين مدى التصاقه برسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم”، لا جسداً فحسب، بل تعلماً وتربيةً واقتداءً.
ويضيف في النص نفسه: “وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل”، أي أنه تربى في مدرسة النبي منذ طفولته حتى أصبح الصدق والاستقامة جزءاً من تكوينه الشخصي.
ولم يكن هذا القرب مجرد قرب عاطفي أو عائلي، بل كان قرباً في المواقف الكبرى أيضاً. يقول الإمام علي: “ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال وتتأخر فيها الأقدام نجدةً أكرمني الله بها”.
ففي اللحظات التي كانت تتراجع فيها الأقدام وتشتد فيها الأخطار كان علي يقف إلى جانب الرسول مدافعاً عنه ومتحملاً معه أعباء الرسالة، لذلك ارتبط اسمه منذ البدايات بأهم المعارك والمواقف المصيرية في تأريخ الإسلام، غير أن أبلغ ما يرويه علي عن علاقته بالنبي هو حديثه عن الساعات الأخيرة من حياة رسول الله. ويقول: “ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري”.
ثم يضيف: “ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي”.
إنها صورة إنسانية مؤثرة لا تكاد تجد لها نظيراً في وصف اللحظات الأخيرة لشخصية تأريخية كبرى. فالنبي الذي غيّر مجرى التأريخ كانت آخر لحظات حياته وهو مستند إلى علي، وكان علي شاهداً على تلك اللحظات الحاسمة بكل ما تحمله من ألم وخصوصية وقرب.
ثم يواصل قائلاً: “ولقد وليت غسله والملائكة أعواني”.
فكان هو الذي تولى تجهيز النبي ودفنه، بينما كانت المدينة مشغولة بالجدل حول مستقبل السلطة والدولة.
هذه النصوص لا تثبت فقط مكانة علي عند رسول الله، بل تكشف أيضاً عن سر الشخصية التي ظلت حاضرة بقوة في وجدان المسلمين وغير المسلمين عبر القرون. فالإمام علي لم يكن مجرد قائد سياسي أو حاكم عادل أو بطل عسكري، بل كان أقرب الناس إلى المدرسة النبوية في تكوينه الروحي والأخلاقي والفكري.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن نستحضره في مناسبة الغدير. فقبل أن نختلف حول التأويلات السياسية والتأريخية للحدث، ينبغي أن نتأمل شخصية الرجل الذي وقف النبي ليعلن منزلته أمام الناس. فالغدير لم يكن حديثاً عن شخص عادي، بل عن إنسان تشكل وعيه وقيمه وسلوكه في كنف الرسول منذ طفولته، حتى أصبح النموذج الأقرب لتجسيد القيم التي جاء بها الإسلام.
ومن هنا يمكن فهم سر استمرار حضور الإمام علي في الوعي الإسلامي والإنساني. فالقوة تزول بزوال أصحابها، والسلطة تنتهي بانتهاء عصورها، أما القيم فتبقى. وعلي بقي لأنه كان، قبل كل شيء، رجل القيم، والإنسان الذي عاش أقرب ما يكون إلى روحية الرسول ومنهجه وسيرته.



