اخر الأخباراوراق المراقب

ماذا يصنع عدم الرضا؟

من المفاتيح السحرية للتنمية والتقدم في الحضارة الاسلامية، الدعوة لاستثمار القدرات المتوفرة وعدم تجاهلها بدعوى الاستزادة منها، أو رجاء الحصول على الأكثر، وكان هذا أحد أسرار تقدم المسلمين علمياً واقتصادياً في فترات تأريخية متفاوتة، وأول درس كان من رسول الله “صلى الله عليه وآله”، مع ذلك الرجل الطامح لتغيير وضعه المعيشي من الفقر الى الغنى، فنصحه الرسول بالرضا بما عنده، وكان من المصلين المواظبين على أداء الفرائض خلف رسول الله في المسجد، وبعد الإلحاح، أعطاه النبي الأكرم درهماً واحداً وقال له: خذ هذا الدرهم واسترزق منه علَّ الله يفتح عليك أبواب الرزق – مضمون الرواية -، وهو ما حصل بالفعل، فقد انفتحت عليه أبواب الرزق وانهمرت عليه الأرباح ببركة ذلك الدرهم الذي اشترى به لبناً ثم باعه وحصل درهمين، ثم اشترى كبشاً وباعه وربح عليه، وهكذا، تدرج من البيع الى الشراء ليصبح مالكاً لعدد كبير من الأغنام والماشية، وذات يوم سأل عنه رسول الله، لأنه افتقده من الصف الأول في صلاة الجماعة، فقيل إنه تحول الى تاجر للماشية، فجاء النبي الأكرم الى متجره زائراً وطلب منه ذلك الدرهم، فأعاده اليه، ومنها بدأت تجارته في التراجع حتى عاد ذلك الرجل الفقير ذو الدخل المحدود والمواظب على صلاة الجماعة، وعلى الأحكام الشرعية، لأنه -حسب الرواية- امتنع عن إعطاء الخمس مما يغنم من تجارته عندما وجد الرقم عالياً.

وثمة اعتقاد، أن الرضا بالضرورة يكون في عالم المادة، بينما يمكن ان يكون في عالم المعنويات وهو الأكثر تأثيراً في مسار الحياة، فذلك الرجل كان مفترضاً به الاستفادة من قربه الى رسول الله أن يستزيد من المعارف والعلوم ليسمو كما سما شخص مثل أبي ذر، وكان فقيراً أيضاً وبشكل مدقع، ولكن حالته المعيشية لم تدفعه يوماً لأن يسأل عن المال، بقدر ما كان يبحث عن الحكم والوصايا من لسان رسول الله، فخلّف لنا تركة عظيمة بعنوان: “وصايا رسول الله الى أبي ذر”، في قصة معروفة عندما جاء الى المسجد و وجد النبي جالساً لوحده فاغتنم الفرصة الذهبية والتأريخية”.

والأمر نفسه نجده في محيطنا الاجتماعي وكيف أن عدم الرضا بما يقسم الله للإنسان يصيب النفس بفيروس القلق وعدم الاستقرار، وأيضاً؛ بالغضب والانفعال لأبسط شيء يفتقده، ثم يتحول الى ورم خطير تمنعه من رؤية نِعم عظيمة حوله مثل امتلاكه البيت، والسيارة، والأولاد الأصحاء، والزوجة الصالحة، والمردود المالي الجيد، إلا أن الشكوى من أشياء مفقودة تحجب الرؤية عن أشياء كثيرة موجودة بسبب عدم الرضا والسخط المستمر على ما يصفه البعض “الحظ العاثر” لأنه لم يحصل على تلك الوظيفة المرموقة، أو البيت الأكبر في المنطقة الأرقى، أو ان تنجب له زوجته ولداً ذكراً، وليس إناثاً فقط.

الرضا يحقق الاطمئنان عندما يكون هذا الرضا مستنداً الى الإيمان الراسخ والعميق بالله تعالى بأنه حكيم في كل شيء، ولا يصنع بخلقه إلا لمصلحة فيها لهم، وخلف هذا الايمان علّة وفلسفة لحياة الانسان بأن يعرف حجمه الحقيقي أمام رغباته وطموحاته، فليس كل شيء يريده يعني أنه يصب في مصلحته كما يتصور الكثير، وطالما أصيب البعض بكوارث في حياتهم لإصرارهم على ما يريدون، ومنها ما تتشظى آثاره السيئة على المحيط الاجتماعي والأسري، بينما الإيمان بالله يجعله على صلة بالرؤية البعيدة المدى، ولعواقب الأعمال، وفي تكملة كلام الإمام الصادق: “ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله، وهو خيرٌ له مما أحبّ وكره”، ومصداق هذا ذلك الرجل في عهد رسول الله الذي ذكرنا قصته أنفاً، وأمثالها كثيرة في حياتنا الاجتماعية في مجال الزواج، والشهادة الجامعية، وفرصة العمل، وحتى على صعيد البلاءات التي نتفاجأ بها في حياتنا، فربما تنطوي على مصلحة معينة لنا في قادم الأيام، وبمدى عمق الإيمان بالله تعالى يكون الرضا أسرع الى النفس من الجزع والانهيار النفسي.

ولا بدَّ من تسليط الضوء على الفارق بين الصبر والرضا، فالصبر يمثل قيمة أخلاقية سامية، وفي طريق التعامل مع الابتلاءات والتقديرات لابد أن تقترن بالرضا وتكون خطوة أولى لها، فأحيانا يصبر الانسان على مكروه يصيبه على مضض، مثل موت عزيز، أو تعرض بيته أو محله التجاري لحريق، فهو يضبط على أعصابه لئلا يظهر الحزن، بيد أنه ينفجر من مكان آخر عندما يلقي على الآخرين مسؤولية ما حدث وإن كان جوراً، ليوفر لنفسه الراحة والسكينة التي يفترض ان يوفره الرضا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى