اخر الأخباراوراق المراقب

هل كشفت مواقع التواصل الاجتماعي الحقيقة الأخلاقية؟

كمال عبيد..

في ساعة متأخرة من الليل، كان شاب يجلس وحيداً أمام شاشة هاتفه، يتنقل بسرعة بين عشرات المنشورات والتعليقات والمقاطع القصيرة. ضحكة ساخرة هنا، شتيمة حادة هناك، خبر مفبرك يشعل الغضب، وصورة تحصد آلاف الإعجابات خلال دقائق. وبين كل هذا الضجيج الرقمي، بدا المشهد وكأنه مدينة كاملة تتكلم دفعة واحدة، مدينة بلا أبواب ولا وجوه واضحة، لكنها تكشف البشر أكثر مما تخفيهم.

خلال سنوات قليلة فقط، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من أدوات بسيطة للتعارف وتبادل الصور إلى فضاء واسع يعرض يومياً ملامح المجتمعات من الداخل؛ طريقة تفكير الناس، مستوى وعيهم، شكل خلافاتهم، وحتى أزماتهم النفسية والأخلاقية. فالكلمات التي تُكتب على عجل، والتعليقات التي تُطلق تحت تأثير الغضب، وأنماط الحوار المتداولة، لم تعد تفاصيل عابرة في عالم افتراضي منفصل، وإنما أصبحت مرآة دقيقة تكشف طبيعة الثقافة التي يعيشها الأفراد والجماعات في الواقع.

في العالم الافتراضي، يشعر كثيرون أنهم يتحركون خارج الرقابة الاجتماعية المباشرة، لذلك يتحدثون بحرية مفرطة، ويتصرفون أحياناً بطريقة تختلف تماماً عن سلوكهم في الواقع. لكن السؤال الأهم يبقى: هل يملك الإنسان فعلاً شخصيتين منفصلتين؟ واحدة مهذبة في الحياة اليومية، وأخرى منفلتة خلف الشاشة؟

غير أن المشهد اليومي داخل منصات التواصل يكشف واقعاً مختلفاً، فالأخلاق لا تتبدل بتغيّر المكان أو الوسيلة، ولا يمكن للإنسان أن يفصل شخصيته الواقعية عن حضوره الرقمي. وما يظهر عبر الحسابات والمنشورات والتعليقات لا يصنع شخصية جديدة بقدر ما يكشف طبقات خفية من السلوك والأفكار كانت بعيدة عن الظهور في الحياة العامة، حتى مع اللجوء إلى الأسماء المستعارة أو الهويات الوهمية.

لهذا تبدو مواقع التواصل أحياناً كاختبار أخلاقي مفتوح. فهناك من يستخدمها لنشر المعرفة والتسامح والحوار، بينما يحولها آخرون إلى مساحة للشتائم والتشهير والتحريض والسخرية وإلغاء المختلف. وفي لحظة واحدة قد يتحول نقاش بسيط حول قضية دينية أو اجتماعية أو سياسية إلى ساحة غضب جماعي تتساقط فيها اللغة والقيم معاً.

وتكمُنُ خطورة الفضاء الرقمي في تحوّل السلوكيات المسيئة إلى ممارسات مألوفة مع تكرارها اليومي، الأمر الذي يرسّخ حالة من التطبيع مع الخطاب المتشنج والمحتوى الهابط. ومع مرور الوقت لا تبقى هذه المظاهر حبيسة الشاشات، إذ تمتد آثارها إلى العلاقات الاجتماعية وطريقة إدارة الحوار داخل المجتمع، كما تترك تأثيراً مباشراً في الذائقة العامة ووعي الأجيال الجديدة وسلوكها الثقافي.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال مواقع التواصل في صورتها السلبية فقط. هذه المنصات نفسها منحت ملايين الناس فرصة التعبير، وكسرت احتكار المعلومة، وفتحت أبواباً للنقاش والمعرفة والتضامن الإنساني. لكنها، مثل أي أداة أخرى، تعكس طبيعة من يستخدمها. فالتكنولوجيا لا تصنع الأخلاق، بل تكشف مستوى حضورها أو غيابها داخل المجتمع.

لهذا فإن معالجة ظواهر الانحراف في العالم الرقمي لا تبدأ بالمنع أو الرقابة وحدها، وإنما ببناء وعي أخلاقي جديد يتناسب مع العصر الرقمي. نحن بحاجة إلى تربية إلكترونية حقيقية، تُعلِّم الأجيال أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الاختلاف لا يبرر الإهانة، وأن الإنسان يبقى مسؤولاً عن كلماته حتى لو كتبها خلف شاشة بعيدة.

إذ أصبحت الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية أمام مسؤولية متزايدة في ترسيخ مفهوم الأخلاق الرقمية، في ظل التحول الكبير الذي جعل الفضاء الافتراضي جزءاً أساسياً من التكوين النفسي والاجتماعي والثقافي للأجيال الجديدة، بعد أن تجاوز استخدامه حدود الترفيه والتواصل إلى التأثير المباشر في الوعي والسلوك وأنماط العلاقات اليومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى