اخر الأخباراوراق المراقب

مفهوم التربية في الإسلام.. رعاية أم صناعة؟

مرتضى معاش..

لكل أمة شخصية، وهذه الشخصية العامة لا تتكون بمعزل عن أفرادها، بل تتشكل من مجموع شخصياتهم. وشخصية الفرد لا تظهر فجأة في مرحلة النضج، وإنما تبدأ ملامحها الأولى منذ الطفولة، من خلال ما يعيشه الطفل من أفعال، وتجارب، ومشاعر، وسلوكيات، وانطباعات.

فالإنسان حين يقوم بفعل من الأفعال لا يبقى فعله خارجًا عنه، بل يترك في داخله أثرًا. وهذا الأثر يتصل بمشاعره وعواطفه وانفعالاته؛ من حب وكره، وغضب وهدوء، وسكينة واضطراب. ومن خلال هذه المشاعر تتكون الانطباعات، ثم تتحول الانطباعات مع الزمن إلى أفكار، وقد تُصبح هذه الأفكار راسخة في النفس.

ولتقريب المعنى، قد يذهب الإنسان إلى مطعم معين، ويتذوق طعامًا جديدًا، ويكون في جلسة مريحة مع أصدقائه. هنا يتكون لديه انطباع طيب، يرتبط بمشاعر دافئة وانفعالات هادئة. ثم ينتقل هذا الانطباع إلى قلبه وفكره، فيتشكل لديه حكم بأن هذا المطعم جيد، وأن هذا الطعام لذيذ. وبعد ذلك ينقل هذه الفكرة إلى الآخرين، فيقول لأصدقائه إن هذا المطعم حسن وإن هذا الطعام جيد.

هذه الصورة البسيطة تكشف لنا كيف تتشكل شخصية الإنسان من خلال ممارساته اليومية. فكل فعل يترك انطباعًا، وكل انطباع قد يتحول إلى فكرة، وكل فكرة تمثل لبنة في بناء الشخصية. ومن مجموع هذه اللبنات يتكون البناء الداخلي للإنسان.

الاكتساب وأثره في بناء الشخصية

يقول القرآن الكريم:

(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ).

فالإنسان مُرتَهنٌ بما يكتسبه من أفعال، وأقوال، ومشاعر، وأفكار. وما يفعله الإنسان لا ينتهي بانتهاء لحظته، بل يدخل في تكوينه النفسي والروحي، ويترك أثره في شخصيته. فإذا تكررت الأفعال وترسخت، أصبحت جزءًا من بنائه الداخلي، وربما صار الإنسان محبوسًا بها ومرتهنًا لها.

ومعنى أن النفس «رهينة» أنها مرتبطة بما كسبت، ومحبوسة بآثار أعمالها. فالإنسان قد يُصبح مرتهنًا لأفكاره وأفعاله، وقد تتحول بعض الأفعال المكتسبة إلى سجن داخلي يقيده ويمنعه من النمو الصحيح. لذلك تصبح رعاية الأفعال ضرورة تربوية، لأن الفعل ليس مجرد حركة عابرة، بل عنصر مؤثر في تشكيل الشخصية.

من هنا تبرز أهمية الرعاية والتربية. فالإنسان يلاقي في النهاية نتاج عمله، وهذا النتاج لا يذهب بعيدًا عنه، بل يعود إلى شخصيته، فيبنيها أو يضعفها، ويهذبها أو يشوهها.

أثر الوالدين في التكوين النفسي للطفل

إذا كان الأب دائم الغضب، يدخل بيته غاضبًا، ويتعامل مع أسرته بانفعال مستمر، فإن هذا الغضب لا يبقى حالة خاصة بالأب وحده، بل ينتقل أثره إلى الأبناء. فالطفل يشاهد، ويتأثر، وتتكون لديه انطباعات متكررة عن الغضب، ومع الزمن قد يُصبح الغضب جزءًا من شخصيته.

وبذلك يكون الأب مرتهنًا لغضبه، ويصبح الابن معرضًا لأن يرتهن بالغضب أيضًا، لا لأن الغضب فطرة فيه، بل لأن الرعاية التربوية غابت، ولأن السلوك المتكرر ترك أثره في تكوينه الداخلي.

وهنا تظهر القاعدة الأساسية: شخصية الإنسان تتشكل من أفعاله. فإذا استمرت الأفعال السيئة من غير مراجعة ولا إصلاح، فإنها تقود إلى شخصية سيئة، أو ضعيفة، أو سلبية. ولهذا جاءت النصوص الدينية لتفتح أمام الإنسان باب الرجوع والتصحيح، وهو باب التوبة.

التوبة وإصلاح مسار الشخصية

التوبة في معناها هي الرجوع. أي رجوع الإنسان عن الفعل الخاطئ، وقطع مسار الخطأ قبل أن يترسخ في النفس ويتحول إلى جزء من الشخصية. ولذلك يشجع القرآن الكريم والسُّنة الشريفة والتراث الإسلامي على التوبة؛ لأنها لا تعالج ذنبًا منفردًا فحسب، بل توقف مسارًا سلبيًا في بناء الشخصية.

ويقول الإمام علي عليه السلام:

(فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ وَبِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ).

فالإنسان مرتهن بما أسلف، ومدين بما قدم. وكل ما يصدر عنه من فعل، أو قول، أو موقف، يترك أثرًا في مصيره وشخصيته. ولذلك يدعو الإمام إلى رعاية الأعمال قبل أن تتحول إلى قيود تكبل الإنسان.

بداية التربية من مرحلة الجنين

لا تبدأ التربية حين يصبح الطفل قادرًا على الكلام أو الفهم الظاهر فقط، بل تبدأ منذ أن يكون جنينًا في بطن أمه. فالتربية ليست فعلًا منفصلًا يقوم به الأب أو الأم في مرحلة محددة، بل هي منظومة متكاملة يدخل فيها الجانب الأسري، والاجتماعي، والاقتصادي، ونوع الرزق، وطبيعة السلوك، والجو الروحي الذي يحيط بالإنسان.

فالإنسان المُصلي يترك أثرًا، والإنسان المذنب العاصي يترك أثرًا، والمال الحرام له أثره السلبي في النفس والجو الأسري. وهذه كلها آثار وضعية قد لا يلتفت إليها الإنسان مباشرة، لكنها تدخل في تكوين البيئة التي ينشأ فيها الطفل.

ولهذا يحتاج الإنسان باستمرار إلى التحرر من آثار الذنوب بالتوبة، وإلى تنقية بيئته وأفعاله، لأن التربية لا تصنع ظاهر الإنسان وحده، بل تصنع مظهره وجوهره معًا. فبين الجوهر والمظهر تكامل واضح؛ إذ يظهر أثر التربية في السلوك الخارجي كما يستقر في البناء الداخلي.

ومن هنا نفهم ما ورد من استحباب قراءة بعض سور القرآن الكريم والأدعية للمرأة الحامل، والاهتمام بالطهارة والوضوء، لما في ذلك من تفاعل روحي ومعنوي ينعكس على الأم والجنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى