ثقافية

رجال الرئيس

1820

فرحات جنيدى/ كاتب مصري

فتح خزينة ملابسه وأخرج قميصي الشتاء والصيف, ورفعهما أمام عينيه وأطال النظر إليهما والحيرة تضرب رأسه, أيهما يرتدي؟ فكلاهما أسوأ من الآخر، والأمطار والأتربة اخترقت سطح غرفته الخشبي فغيرت ألوانهما وأذابت أطرافهما، والمناخ خريف وهو يخشى على صحته. أربكته أصوات ندائهم, أسرع، فالرئيس قادم, ارتدى قميص الصيف وألقى بالآخر على الأرض, وقف أمام المرآة يهندم شاربه وهو يحدث نفسه: من اليوم سيعلم الناس أني ما زلت قوياً وقادراً على أن آتي لكل ذي حق حقه! خرج مسرعاً وعلى باب البيت وجد الرئيس أمامه وعربات الشرطة الكبيرة تملأ الشارع، ورجاله يحيطون به من كل جانب، ويمنعون كل من يحاول أن يقترب منه أو يقدم له شكوى. اخترق الموكب فأمسكوا به ،ووضعوا السلاح في صدره، فشق قميصه ودفعهم بصدره وهو يصرخ فيهم أن يقتلوه! صرخ الناس، فانتبه الرئيس، فأشار لهم بأن يتركوه, فكبّر الناس, ففرد عوده المحني واقترب من الرئيس بخطوات ثابتة, وبصوت قوي لم يهزمه شقاء السبعين عاماً التي عاشها قال: ما هذا؟ لماذا تريد قتلنا؟!
تراجع الرئيس خطوة وخشي أن يأمر الحراس أن يمنعوه فتثور عليه الناس, فوقف يستمع له في صمت وعلى وجهه ابتسامة تواري خوفه، وقال: توقف أرجوك وابتعد، فأنت رجل كبير لا تتحمل دفعة من رجالي. ضحك وثبت في مكانه وقال بحزم شديد: توقف أنت وكفاك حصاراً وابتعد عنا, فنحن لا نستطيع أن نعيش في هذا العالم الضبابي المظلم الكئيب, لماذا تفعل بنا هذا؟ ألا يوجد في قاموس قراراتك خيارات؟ ألا تعرف غير القتل أو السجن؟ هناك أشياء أخرى أولها الرحمة, ألا تتذكر جدي؟ لقد حمل فأسه عشر سنوات من أجلنا كي نعيش في رخاء لا شقاء, توقف وتذكر أبي الذي سبق صدره صدرك وحماك من رصاص الغدر, توقف أرجوك فالأرض لم تجف بعد من دمه, توقف فأنا لا أخشاك وإن قتلتني لن أصرخ فيخشاك غيرى, ولو صرخت لن يخشوك, فأصوات المآذن وأجراس الكنائس ما زالت تذكرهم بدماء أبنائهم وآبائهم وأجدادهم, هم شعب عنيد يرفض التطور والتغير, أتعلم؟ ما زالت جدتي تصحبنا كل عيد قبل شروق الشمس ليس لنلهو أو نستمتع بجمال الطبيعة, لا لا، بل تصحبنا إلى القبور نصافح أجدادنا ونتسامر مع آبائنا ونتذكر صبانا مع إخوتنا ورفقاء عمرنا, نعم، نفعل كل ذلك, لا تتعجب فنحن أبناء الأرض قبورنا تتكلم.
أتدري؟ ذات عيد خرج جدي بفأسه وجلبابه الأخضر وجبهته السمراء يصرخ فينا ويدفعنا بظهر فأسه نحو الجبهة لنأخذ ثأر أبنائه, لم نستطع أن نعصي له أمراً, ذهبنا جميعاً، حتى ذلك الولد الذي اتخذ من المرآة صديقاً له, لقد قص شعره وذهب معنا, لا لا، بل سبقنا وتوضأ من القناة وأمسك بالساري ورفع العلم ورفعت روحه إلى السماء, لم نتركه، وكانت أرواحنا خلفه تتسابق على ترانيم الألم, وبرغم ذلك ظل جدي حزيناً ولم يفارق باب الدار, عنيداً رفض أن يعود إلى قبره وظل متكئاً على فأسه, يصرخ في كل من يمر من أمام بيته بأن يرسل ابنه للجبهة, ليس ليجلب له أخبارنا، لا، بل ليقاتل معنا. عدنا، وبدلاً من أن نأخذ بالثأر حملنا رفات الأحباب, إنهم هنا في قبر واحد, لم يفرق الرصاص بينهم, صلينا عليهم صلاة واحدة. لم يهزمه الألم، بل زاد من صلابته وضمنا إلى حضنه، دفعنا على أن نعود ونقاتل، وانتصرنا وأعدنا الأرض وثبتنا عليها كأشجار النخل لا يقوى أحد على اقتلاعها.
توقف أنت وأرجوك أن تبتعد, نريد أن نشهد أجيالاً جديدة لم تذق طعم الهزيمة والانكسار, توقف ولا تزد المسافة بين الحلم والحقيقة, إن حلمنا مجرد حرية ومن أجلها افترشنا الأرض وأخذنا السماء غطاء وارتضينا بالجوع والعطش والبرد, ومهما خنقنا عالمك الضبابي المظلم الكئيب فلن نترك الأرض والمساجد والكنائس ونرحل ونطلب الرحمة على أبواب المعابد.
فُتحت أبواب سيارات الشرطة الكبيرة وخرج منها عشرات الجنود وهزت أقدامهم الأرض وطرقوا باب غرفته بشدة، ففزعت زوجته وصرخ أطفاله فنهض مفزوعاً، فوجد الجنود يقفون على رأسه, تصبب العرق من فوق جبينه واهتز جسده ولم تقوَ قدماه على أن تحملاه، فكاد يسقط على الأرض، فأمسك به أحدهم، فاعتدل عوده، وقال بصوت ضعيف تعلوه دقات قلبه: لم أفعل شيئاً، ماذا تريدون مني؟ عليك أن ترحل الآن أنت ومن معك, سوف نأخذ تلك البنية اليوم لنؤمن زيارة السيد الرئيس ولا تعد حتى نرحل, هل هناك أي اعتراض؟ كيف أعترض وكلنا رجال الرئيس؟ استدار وارتدى قميصه فوق جلباب النوم واتكأ على كتف زوجته وخرج في صمت..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى