اخر الأخباراوراق المراقب

غزوة بني قريظة

بنو قريظة: كان في المدينة ثلاث طوائف معروفة من اليهود، وهم: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، وكانت هذه الطوائف قد عاهدت النبي(صلى الله عليه وآله) على أن لا تعين عدوا له ولا تتجسّس لذلك العدو، وأن يعيشوا مع المسلمين بسلام، وجاءت يهود قريظة، والنضير، وقينقاع، وطلبوا الهدنة من رسول الله(صلى الله عليه وآله)،
(فكتب لهم بذلك، على أن لا يعينوا عليه أحداً، ولا يتعرضوا لأحد من أصحابه بلسان، ولا يد، ولا بسلاح، ولا بكراع، في السر، ولا في العلانية، لا بليل ولا بنهار، فإن فعلوا فرسول الله(صلى الله عليه وآله) في حل من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم، وكتب لكل قبيلة كتاباً على حدة، وكان الذي وُلِّي أمر قريظة كعب بن أسد، والذي تولى أمر بني النضير حُييّ بن أخطب، والذي وُلِّي أمر بني قينقاع مخيريق وكان أكثرهم مالا وحدائق).
إلا أن (بني قينقاع) قد نقضوا عهدهم وكانوا أول اليهود الذين نقضوا عهدهم مع النبي(صلى الله عليه وآله)، في السنة الثانية للهجرة، وكانوا صاغة ولهم سوق الذهب قرب المدينة، فأجلاهم(صلى الله عليه وآله) عن المدينة وطُردوا إلى خارجها، فذهبوا إلى أذرعات الشام، ونقض بنو النضير عهدهم في السنة الرابعة للهجرة بأعذار شتى، وصمموا على مواجهة النبي(صلى الله عليه وآله) وانهارت مقاومتهم في النهاية، وذهب بعضهم إلى خيبر، وبعضهم الآخر إلى الشام، بناء على هذا فإن (بني قريظة) كانوا آخر من بقي في المدينة إلى السنة الخامسة للهجرة حيث وقعت غزوة الأحزاب، فإنهم نقضوا عهدهم في هذه المعركة، واتصلوا بمشركي العرب، وشهروا السيوف بوجه المسلمين، وحينما نقرأ التاريخ، فإن ما يلفت النظر هو تكرر الغدر من اليهود، واستمرارهم في نقض العهود والمواثيق، مرة بعد أخرى، كما كان الحال بالنسبة لبني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، ولعل هذا أمر طبيعي بالنسبة إلى قوم يَزِنون الأمور بموازين الربح والخسارة في الدنيا، فإن مَن كان كذلك لا يلتزم بالصدق مثلاً لأجل أن له قيمة أخلاقية أو إنسانية، أو لأن فيه رضا الله سبحانه وتعالى وإنما يلتزم به لأنه يجلب له نفعاً دنيوياً ملموساً، أو يدفع عنه ضرراً كذلك. وبدون ذلك، فإنه لا يجد مبرراً ولا دافعاً للالتزام به، بل هو حين يلتزم بصدق لا يشعر بنفعه الدنيوي يجد نفسه متناقضاً مع مبدئه، ومع منطلقاته في التفكير وفي العمل، التي رضيها لنفسه.
ونجد في مقابل ذلك التزاماً تاماً من قبل النبي(صلى الله عليه وآله) بالعهود والمواثيق المعقودة، لذا فإن الله سبحانه وتعالى أمر رسوله(صلى الله عليه وآله) بأن ينبذ مثل هذه الاتفاقيات ويعلن الحرب على هؤلاء المتقلبين النفعيين. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾.
بعد انتهاء غزوة الأحزاب والتراجع المشين والمخزي لقريش وغطفان وسائر قبائل العرب عن المدينة، فإن النبي(صلى الله عليه وآله) طبقا للروايات الإسلامية عاد إلى منزله وخلع لامة الحرب فنزل عليه جبرئيل يبلغه أمر الله بالمسير نحو بني قريظة وإنهاء أمرهم وكما سيأتي تفصيل ذلك.
لم تكن هناك فرصة لتصفية الحساب مع بني قريظة أفضل من هذه الفرصة، حيث كان المسلمون في حرارة الانتصار، وبنو قريظة يعيشون لوعة الهزيمة المرة، وقد سيطر عليهم الرعب الشديد، وكان حلفاؤهم من قبائل العرب متعبين منهكي القوى خائري العزائم، وهم في طريقهم إلى ديارهم يجرون أذيال الخيبة، ولم يكن هناك من يحميهم ويدافع عنهم، هنا نادى مناد من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأن توجهوا إلى بني قريظة قبل أن تُصلُّوا العصر، فاستعد المسلمون بسرعة وتهيئوا للمسير إلى الحرب، وما كادت الشمس تغرب إلا وكانت حصون بني قريظة المحكمة محاصرة تماماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى