في ذكرى ولادة الإمام الثامن “ع”.. أضواء على حياته المباركة

كانت ولادة الإمام الرضا (ع) مقترنة بحوادث، وأية حادثة أعظم من أن يمُنَّ رب العالمين بهذه العطية العظمى للأمة! إمامنا موسى بن جعفر (ع) من بين الأئمة الذين تعرضوا لكثير من التعذيب، متنقلاً من سجن إلى سجن، إلى أن قضى نحبه في سجنه، ودفن في تلك البقعة الطاهرة.. وكأن الله عز وجل أراد أن يعوض هذه المعاناة لإمامنا موسى بن جعفر (ع)، بأن جعل له ولداً كعلي بن موسى الذي نحن هذه الليلة بجواره.
وحقيقةً، ولادة الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) كولادة آبائه وأبنائه، كانت مقترنة بحوادث، فهذا الحمل المبارك من موسى بن جعفر (ع) كان متميزاً، إلى درجة كان مقترناً ببعض صور الكرامة.
تقول أم إمامنا الرضا تكتم أو نجمة: لما حملتُ بابني عليّ، لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع في منامي تسبيحاً وتهليلاً وتمجيداً من بطني، فيفزعني ذلك ويهولني، فإذا انتبهت لم أسمع شيئاً.. فلما وضعتُه، وقع على الأرض، واضعاً يده على الأرض، رافعاً رأسه إلى السماء، يحرّك شفتيه كأنه يتكلم.. فدخل إليّ أبوه موسى بن جعفر (ع) فقال لي: هنيئاً لكِ يا نجمة كرامة ربك! فناولته إياه في خرقة بيضاء، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات فحنّكه به..
إذن، أئمتنا (ع) هم في ذلك الأفق الذي كان فيه الأنبياء والمرسلون، من حيث صور الكرامة المتعددة.. كما أن عيسى (ع) عندما وُلد وصف نفسه بعبودية الله : {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} ، كذلك إمامنا الرضا (ع) كان في بطن أمه ، تبرز منه هذه الكرامة العظمى.. وكل هذه الكرامات المكتنفة لحياة الأئمة (ع) من أجل إعطائهم ذاك البعد الإلهي.. لأنه صاحب القوانين الطبيعية ، هو صاحب القوانين الإعجازية.. لا إعجاز في ديوان رب العالمين، وإرادته فوق كل إرادة.
والملاحظ في هذا الحديث الشريف: أن أئمتنا (ع) كانوا يحنكون أولادهم بماء الفرات ، أي أن أول ما يدخل أجوافهم الطاهرة ، ذلك الماء الذي يرمز إلى سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه).. من ولادتهم إلى ساعة استشهادهم ووفاتهم ، وهم يلهجون بذكر الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).. وإمامنا الرضا (ع) -صاحب هذه القبة السامية- كان يقول : (أن يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا).. ولولا هذا القيام الحسيني ، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من عزة الإسلام والمسلمين ، وخاصة من زاوية منهج أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
وهذا المقام له قصص، وطالما جاء الظلمة وهدموا هذه القباب الطاهرة، ومن المعلوم أن آخر هذه الحوادث في مطلع القرن الماضي، عندما هجم الروس على هذا المرقد المبارك.. الذين يتجاسرون على مقامات أهل البيت (ع)، عليهم الالتفات إلى هذه النقطة.
البعد العلمي للإمام الرضا (ع)، بعدٌ متميز في سيرته العطرة.. والإمام عاصر في أواخر المئة الثانية من بعد هجرة النبي المصطفى (ص)، وفي هذه الفترة حاول العدو من خلال أبواقه المختلفة ورجال بلاطه، أن يشوهوا سمعة أهل البيت (ع)، أو على الأقل يحاولون أن يغطوا على هذه الجهات الإيجابية في سيرتهم العطرة، ولكن شاء الله عزوجل إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
لما كان الإمام (ع) في المدينة يقول الراوي: أنه جمع العلماء من المسائل ما كثر ، إلى درجة كانت إجابات الإمام (ع) ثمانية عشر ألف مسألة ، الإمام أجاب على كل هذه المسائل..
وكان للإمام (صلوات الله وسلامه عليه) حضور متميز في مسجد النبي الأكرم (ص) ، ومن قبل ذلك جده جعفر بن محمد الصادق (ع) ، كان قد استلم كرسي الفقه والحديث والأصول وغير ذلك..
ومن العجيب أن بعض أفراد الأمة ، وبعض المستولين على مقدرات هذه الأمة ، كيف تركوا هذا الخط الواضح ! ، وكيف أنهم وجهوا الناس توجيهاً خاطئاً في مختلف المجالات !..
الإمام الرضا (ع) كان يحاول من خلال بحثه مع العلماء ، أن يركز على القرآن الكريم ، هذا العنصر والجامع المشترك بين جميع المسلمين ، ليفهم الأمة بأنه (صلوات الله وسلامه عليه) يمثل القرآن والعترة ، العِدْلان اللذان تركهما النبي المصطفى (ص) في هذه الأمة.
ومن جهود الإمام العلمية : تنزيهه الذات الإلهية من شبهة التجسيم .. الإمام (ع) كان يؤكد على حقيقة التوحيد ، وأن الله عزوجل فوق كل عنصر زماني ومكاني..
قال الرضا (ع) في : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، يعني : مشرقة ، تنتظر ثواب ربها..
وفي: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}، قد توحي ظاهر الآية عن أن هنالك حالة من حالات الرؤيا، ولكنه (ع) يقول: أن الله -تبارك وتعالى- لا يوصف بمكان يحل فيه، فيحجب عن عباده، ولكنه يعني: عن ثواب ربهم لمحجوبون.
لأن هذه الفكرة كانت شائعة في صفوف المسلمين، وبعض علماء الدين أخذوا ظواهر هذه الآيات وجمدوا عليها..
وسئل عن قوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، فقال : إن الله تعالى لا يوصف بالمجيء والذهاب والانتقال ، إنما يعني ذلك : وجاء أمر ربك..
إذن، هذه الأحاديث المختلفة تدل على أن الإمام الرضا (ع)، كان حريصاً على تنقية معالم التوحيد والأصول الاعتقادية، من كل ما لا يليق به.. ومع ذلك نعلم أن الذي كان بجوار الإمام (ع) وهو المأمون، لم يتحمل هذا الوجود الطاهر، ومن هنا قام بما قام به.



