المُسيّرات الإيرانية تجبر واشنطن على تغيير إستراتيجيتها العسكرية

بعد ان أوقعت خسائر بملايين الدولارات
خلال المعركة بين الجمهورية الإسلامية وأمريكا والكيان الصهيوني، كان للمسيرات الإيرانية دور بارز في حسم المواجهة، سيما وان تكلفتها المادية قليلة، مقارنة بحجم الخسائر التي كبدتها بجيش العدو ومقراته في المنطقة، والتي تكلف ملايين الدولارات.
وسلّط تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، الضوء على هذه المفارقة، موضحًا كيف تحوّلت المسيرات الإيرانية الرخيصة إلى سلاح يستنزف ميزانيات ضخمة ويعيد رسم قواعد الاشتباك.
وتُنتج المسيّرات الإيرانية، التي تعتمد على تكنولوجيا تجارية بسيطة نسبيًا، بتكلفة تقارب 35 ألف دولار فقط. هذا الرقم يبدو ضئيلًا عند مقارنته بأنظمة الدفاع الأمريكية، التي تحتاج أحيانًا إلى صواريخ بملايين الدولارات لاعتراض هدف واحد.
وأشارت “نيويورك تايمز” إلى أن طائرة تُسقط قد تكلّف واشنطن أضعاف سعرها، ما يجعل استمرار العمليات الدفاعية، عبئًا ماليًا متصاعدًا مع كل هجوم جديد.
وفق التقرير، أنفقت الولايات المتحدة نحو 11.3 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى فقط من الحرب، قبل أن ترتفع التقديرات لاحقًا إلى ما بين 25 و35 مليار دولار. الجزء الأكبر من هذه النفقات ارتبط باستخدام الصواريخ الاعتراضية.
هذه الأرقام تكشف عن نمط استنزاف واضح؛ فالهجمات المتكررة بطائرات منخفضة التكلفة تجبر الدفاعات الأمريكية على استخدام أدوات باهظة الثمن، ما يؤدي إلى تسارع وتيرة الإنفاق بشكل غير مسبوق.
وتعود جذور هذه المشكلة إلى عقود سابقة، حين صُممت أنظمة الدفاع الأمريكية للتعامل مع تهديدات مختلفة تمامًا، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المتطورة، ولم تكن الهجمات الجماعية بطائرات صغيرة ورخيصة ضمن السيناريوهات الأساسية.
وبحسب ما نقلته “نيويورك تايمز”، فإن هذا التحول في طبيعة التهديدات كشف عن ثغرة في الاستثمارات الدفاعية، التي ركزت على الدقة والتفوق التقني، لكنها لم تستعد لموجات الهجمات منخفضة التكلفة.
في حالات أخرى، يتم الاعتماد على أنظمة دفاع متقدمة مثل صواريخ “إس إم-2” البحرية أو “باتريوت” البرية، وهي أنظمة مصممة أساسًا لمواجهة تهديدات أكبر، لكنها تُستخدم ضد الطائرات المسيّرة عند الحاجة.
وقد تصل تكلفة إسقاط طائرة واحدة إلى ملايين الدولارات، إذ يتطلب البروتوكول إطلاق صاروخين على الأقل لضمان التدمير، وهو ما يجعل كل هجوم بطائرة رخيصة، فرصة لاستنزاف الموارد الدفاعية.
إحدى نقاط القوة في الاستراتيجية الإيرانية تكمن في إطلاق عدد كبير من الطائرات في وقت واحد، مستفيدة من انخفاض التكلفة. هذه الهجمات الجماعية تُربك الدفاعات وتجعل من الصعب التعامل مع كل الأهداف بكفاءة.
كما أن هذه الطائرات قادرة على الطيران لمسافات طوال تصل إلى نحو 1500 ميل، ما يوسع نطاق التهديد ليشمل مناطق واسعة في الشرق الأوسط، ويجعل أي موقع عرضة للاستهداف.
بعيدًا عن التكلفة المالية، يبرز تحدٍ أكثر خطورة يتمثل في استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية. خبراء الدفاع حذروا من أن المشكلة لا تتعلق بالقدرة على شراء المزيد، بل بالوقت اللازم لإعادة التصنيع.
وأشار التقرير إلى محاولات لتطوير بدائل أكثر كفاءة، مثل الطائرات الاعتراضية الذكية أو أنظمة الليزر، التي قد تخفض تكلفة الاعتراض بشكل كبير، لكن هذه التقنيات لم تصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الواسع في الميدان.
في الوقت الحالي، تظل المعادلة مختلفة؛ طائرات رخيصة تفرض على خصمها استخدام أدوات باهظة، ما يفتح الباب أمام تغيير أعمق في استراتيجيات الدفاع خلال السنوات المقبلة.



