اخر الأخباراوراق المراقب

فضل ليلة القدر وابعادها الروحية

بَسَطَ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مَائِدَةً لَا يُسْفِرُهَا إِلَّا مَرَّةً فِي العَامِ؛ وَهَذِهِ المَائِدَةُ جَعَلَهَا لِلْقَانِعِ وَالمُعْتَرِّ، لِلْعَابِدِ وَالعَاصِي، لِلطَّيِّبِ وَالخَبِيثِ، وَلَمْ يُحْرَمْ مِنْهَا أَحَدٌ. وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهَا عَلَى جَمِيعِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ؛ مِنْ نُزُولِ كِتَابِهِ المَجِيدِ فِيهَا، وَتَقْدِيرِ المَقَادِيرِ، وَتُعَدُّ لَيْلَةُ القَدْرِ الغُرَّةَ البَهِيَّةَ فِي جَبِينِ الزَّمَانِ، وَالمَحَطَّةَ الأَسْمَى الَّتِي تَتَلَاقَى فِيهَا فُيُوضَاتُ السَّمَاءِ بِتَطَلُّعَاتِ الأَرْضِ. فَهِيَ لَيْسَتْ لَحْظَةً زَمَنِيَّةً عَابِرَةً فِي تَقْوِيمِ الأَيَّامِ، بَلْ هِيَ مِيقَاتٌ رَبَّانِيٌّ مُقَدَّسٌ، اخْتَصَّهُ اللهُ -عَزَّوَجَلَّ- بِتَنَزُّلِ مَلَائِكَتِهِ، وَجَعَلَهُ وِعَاءً لِأَعْظَمِ حَدَثٍ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ؛ وَهُوَ نُزُولُ القُرْآنِ الكَرِيمِ.
إِنَّ الغَوْصَ فِي دَلَالَاتِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَكْشِفُ عَنْ مَنْظُومَةٍ عَمِيقَةٍ مِنَ المَعَانِي الإِيمَانِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ؛ حَيْثُ يَتَجَسَّدُ فِيهَا لُطْفُ الخَالِقِ بِعِبَادِهِ، فَيَمْنَحُهُمْ فُرْصَةً لِتَصْحِيحِ المَسَارِ، وَتَقْدِيرِ مَصَائِرِهِمْ نَحْوَ الصَّلَاحِ وَالفَلَاحِ.
أَوَّلًا: الفَلْسَفَةُ الوُجُودِيَّةُ لِلَّيْلَةِ
لَيْلَةُ القَدْرِ فِي المَنْظُورِ المَعْرِفِيِّ وَالإِسْلَامِيِّ ذِرْوَةَ التَّلَاقِي بَيْنَ الزَّمَانِ المَحْدُودِ وَالأَبَدِيَّةِ المُطْلَقَةِ. وَمِنْ هُنَا، تَنْبَثِقُ “الفَلْسَفَةُ الوُجُودِيَّةُ” لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ بِاعْتِبَارِهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ذِكْرَى سَنَوِيَّةٍ، بَلْ هِيَ فِعْلُ “تَخْلِيقٍ مُسْتَمِرٍّ” لِكَيَانِ الإِنْسَانِ وَمَصِيرِهِ.

  • الزَّمَانُ النَّوْعِيُّ وَقِيمَةُ الوُجُودِ
    تَقُومُ فَلْسَفَةُ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلَى كَسْرِ رَتَابَةِ الزَّمَانِ الخَطِّيِّ؛ فَهِيَ لَيْلَةٌ تَخْتَزِلُ (أَلْفَ شَهْرٍ)، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ القِيمَةَ الوُجُودِيَّةَ لِلإِنْسَانِ لَا تُقَاسُ بِمِعْيَارِ الأَيَّامِ وَالسِّنِينَ، بَلْ بِـ”لَحْظَةِ الِاتِّصَالِ” بِالمَصْدَرِ الإِلَهِيِّ. إِنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي يَنْتَقِلُ فِيهَا الوُجُودُ البَشَرِيُّ مِنَ الهَامِشِ إِلَى المَرْكَزِ، حَيْثُ يُصْبِحُ الفَرْدُ مَحَلًّا لِتَنَزُّلِ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فِيْهَا.
  • الحُرِّيَّةُ وَصِنَاعَةُ القَدَرِ
    فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبَارَكَةُ، يَتَجَلَّى الصِّرَاعُ المَعْرِفِيُّ بَيْنَ “الجَبْرِ” وَ “الاخْتِيَارِ”. فَالقَدَرُ لَيْسَ قَيْدًا مَفْرُوضًا مِنَ الخَارِجِ، بَلْ هُوَ “هَنْدَسَةٌ وُجُودِيَّةٌ” يُسَاهِمُ الإِنْسَانُ فِي رَسْمِ مَعَالِمِهَا عَبْرَ إِرَادَتِهِ الحُرَّةِ. إِنَّ الدُّعَاءَ وَالتَّوَسُّلَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ يُمَثِّلَانِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الحُرِّيَّةِ؛ إِذْ يَسْعَى الإِنْسَانُ لِتَغْيِيرِ مَسَارِهِ الوُجُودِيِّ نَحْوَ الأَكْمَلِ.
  • اليَقَظَةُ كَمُنْطَلَقٍ لِلصَّيْرُورَةِ
    تُعْتَبَرُ لَيْلَةُ القَدْرِ صَرْخَةً فِي وَجْهِ “الغَفْلَةِ الوجُودِيَّةِ”؛ فَهِيَ تَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى الِانْتِبَاهِ لِذَاتِهِ وَغَايَةِ وُجُودِهِ. هَذِهِ اليَقَظَةُ هِيَ مَبْدَأُ كُلِّ صَيْرُورَةٍ حَقِيقِيَّةٍ؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الإِنْسَانُ فِيهَا مِنْ كَائِنٍ “مَوْجُودٍ بِالفِعْلِ” إِلَى كَائِنٍ “يَسْعَى لِتَحْقِيقِ مَاهِيَّتِهِ” القُدُسِيَّةِ.
  • الِاتِّصَالُ بِالغَيْبِ وَتَحْقِيقُ الطُّمَأْنِينَةِ
    تُخْتَتَمُ اللَّيْلَةُ بِفَجْرِ (السَّلَامِ)؛ وَهُوَ السَّلَامُ الَّذِي يَعْنِي انْتِهَاءَ القَلَقِ الوجُودِيِّ. حِينَمَا يَتَّصِلُ المُمْكِنُ (الإِنْسَانُ) بِالوَاجِبِ (اللهِ)، يَسْكُنُ اضْطِرَابُهُ، وَيَجِدُ لِوُجُودِهِ مَعْنًى يَتَجَاوَزُ حُدُودَ المَادَّةِ وَالفَنَاءِ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى