العبودية خوارزميا

بقلم: د. إدريس هاني..
إذا ما انتفخ الجهل، وتدحرج مثل كرة الثلج، فانتظر أن ينفجر في الحالة الأولى بدبوس شارد، أو يتهشمّ حين يبلغ سفح المنحدر. فمكتوب على المغالطة أن يكون عمرها كعمر الكلب (بين 10 إلى 13 عاما)، ولكنها تستمر عبر آلية إعادة الإنتاج. أتحدّث عن تدافع أنماط المغالطة وليس عنها، لأنّها تستمر بكيفية أخرى؛ أجل، فإذا ما انتفخ الجهل وتدحرج حاملا معه رواسب المنحدر، فانتظر الذروة، حيث هناك نهايته.
ليست كل الحُمُر قابلة للركوب، بل ثمّة من اختارت بغريزتها وظيفة النّهيق، وهو الصوت المنكر الذي يذكّرنا بالفاصل الشيطاني (التريتون). لقد فقدت الحمر المعروضة في السوق الأسبوعي في مداشر العُرب السّائبة، خاصية الركوب، ولكن أصواتها باتت أكثر شيء نُكُرا. لم تعد التّفاهة تبحث عن الحصان العربي الأصيل، بل عن حُمر مستوحشة بالغة النهيق، فرَّتْ من قسورة.
لا زلت أعجب ممن لا يحسن المشي مستقيما على الرّصيف، كيف ينُظِّر للاستراتيجيا وهو امرئ تِلْعابة لا عهد له بالحرب. ولكن التّأريخ لا زال يتحفنا بمفارقات عجيبة تؤكد أنّ التّأريخ يُصنع في صمت، خلف ضوضاء النوكى ونقع غُبار الحُمر المستنفرة، وأزيز براغش المستنقعات. لكي نبلغ ذروة التأريخ، لا بد من مصل يعفينا من المالاريا.
حين تصبح الألسن أطول من العقول، وحين تصبح البرققة انتحالا لصفة الفرسان، ندرك أنّ التّفاهة تخشى من الصّمت، بل يصبح الضوضاء وسيلة عصر فقد الرّوية وروح المعنى وعبقرية الاستدلال وذكاء التّلقي.
تنتاب الحكيم حيرة، فتغدو الحاجة إلى دليل الحيران مضاعفة، غير أنّ الحيرة هي قدر الحكيم في تأريخ يواصل خطوه على منحدر زلق، غالبا ما يستأسد فيه دليل المغالطة. فحتى تتضح الصورة ويرتفع الغبش، يتعيّن الرّوية، فهي الفريضة الغائبة في المرحلة الفموية لتأريخ النّوع.
كلّهم حكماء مزيفون، متدفقون على طريق الدّجل المعرفي، عقول النابتة، وقلوب برّية لا ترحم من في الأرض، تقضم، وتفترس، وتقرض… وكلّ هذا الجهل العريض يتوشّح مظاهر علم لم يتبق منه سوى سقط المتاع.
واعلم يا ولدي أنّ الذكاء لا يقاس بالقدرة الجمجمية(la capacité crânienne)، بل بمعيار البرمجة الخوارزمية. فكم من كائن يتمثّل بالخداع الرقمي وعي النيوندرتال.
غدا الجهل حرباء تسلك فوق المفاهيم وتكتسي لونها تنكّرا، وليس لها من روحها ولا من دليلها سوى هذا الاستلوان الخادع. نحن كائنات انحدرنا من زمن الطواعين والمسغبات النظرية، تساوى كلّ شيء تساويّ الأدلة، معلنا نهاية الفرز المنطقي، وتهتّك المعايير..
يرسف الكائن المسرنم اليوم في قيود العبودية الخوارزمية مهما تذاكى. ولا مخرج من هذا الوضع سوى بالفكر النقدي، أقول ربما، شريطة أن يكون هذا الفكر تمثّلا حقيقيا وليس تمثلا زائفا كما هي عوائد هذا الزّمان.



