أوروبا والحرب على إيران بين التردد والارتباك الاستراتيجي

بقلم: محمود الأسعد..
في لحظة فارقة من التأريخ العالمي فرضتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي انطلقت في الـ28 من شباط الفائت، وجد الكثير من دول العالم والقوى والتكتلات الإقليمية السياسية والاقتصادية والعسكرية نفسها على العتبة الحرجة من التأريخ البشري والتحول العالمي.
فالجميع بدا متردداً أو في حالة من التيه والارتباك الاستراتيجي بين أن يبقى جالساً على التل يرتقب ما ستؤول إليه نتائج الحرب، أو يقف بجانب الحلف الصهيو -أميركي، أو يجهر بمعارضته له. يبدو ذلك التيه منطقياً لأسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها أن هذه الحرب العدوانية تقودها الولايات المتحدة التي تمثل القوة العظمى الأولى في العالم، وتتربع على عرش الاقتصاد والمال والتكنولوجيا والسلاح الفتاك إلى جانب أداتها “إسرائيل” صاحبة السجل الإجرامي الأكثر شهرة في تنفيذ المهمات القذرة خارج إطار القوانين الدولية والإنسانية، في مواجهة إيران القوة الصاعدة تكنولوجياً وعسكرياً، والتي تتوسط الجغرافيا السياسية والاقتصادية العالمية، وتتقاطع عبرها وحولها ممرات الطاقة والتجارة القديمة الجديدة، وتقف على عتبة التتويج كواحدة من دول النفوذ في العالم الجديد.
المواقف الأوروبية المعلنة
يمكن الإشارة إلى الموقف البريطاني الذي كان رافضاً للحرب على إيران قبل وقوعها، ثم تبدل لجهة السماح لواشنطن باستخدام قاعدة دييغو غارسيا العسكرية في المحيط الهادئ، قبل أن تعلن بريطانيا عن إرسال حاملتي طائرات إلى المنطقة بعد أسبوع من بدء الحرب، وهو ما قابله ترامب بالعتب واللوم الأقرب إلى الاستغناء، بينما كان الموقف الألماني أكثر حماسة في تأييد الحرب على إيران على لسان المستشار فريدريش ميرتس، لكن هذا الدعم لم يخرج من الإطار اللفظي الحماسي، وبالمقابل، جاهرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني برفضها انخراط بلادها في الحرب متذرعة بعدم قانونيتها، وكان الموقف الإسباني هو الأكثر تشدداً في مهاجمة العدوان على إيران، على لسان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، قبل أن يضطر للموافقة على إرسال سفينة حربية إلى قبرص، بعد تهديدات ترامب بقطع العلاقات التجارية مع بلاده، أما فرنسا، فقد أرسل رئيسها ماكرون حاملة طائرات إلى المنطقة تحت عنوان دفاعي لاعتراض الهجمات على الحلفاء الإقليميين في الخليج وتأمين ممرات التجارة بعيداً من العمليات الهجومية.
أسباب التردد والارتباك الأوروبي
يبدو واضحاً أن الأوروبيين المرتبكين يستخدمون الخطابات الإعلامية من أجل التهرب من الانخراط في الحرب وإخفاء حالة الانقسام فيما بينهم، ويحاولون التغطية على ذلك بمواقف لفظية لتجنب الخروج من حالة الحياد الفعلي، إلى الالتزام الميداني مع الحليف الأميركي، فما هي الأسباب الحقيقية التي تقف خلف ذلك؟
أولاً؛ الرغبة الضمنية لدى دول أوروبا بتورط ترامب بعد أن تبنى شعار “أميركا أولاً”، وأقر “مبدأ ترامب” الذي أغلق أميركا اللاتينية في وجه أوروبا، وطالب أوروبا بتبني استراتيجية مستقلة لحماية نفسها بدلاً من حماية الولايات المتحدة لها تحت مظلة الناتو، حيث وجدت أوروبا نفسها في مواجهة روسيا على الساحة الأوكرانية في الوقت الذي استبعدها ترامب بشكل فعلي من المفاوضات.
ثانياً؛ تخشى أوروبا من تعميق أزمتها الاقتصادية، سواء نتيجة التكاليف والأعباء المالية التي ستترتب على مشاركتها في الحرب، أم نتيجة الاستهداف المحتمل للاستثمارات الأوروبية في الشرق الأوسط، في حال انخراطها في الحرب على إيران.
ثالثاً؛ تسعى أوروبا للتوسط من أجل إيقاف الحرب وعدم إطالتها، لما سببته من ارتفاع في أسعار الطاقة “النفط والغاز”، حيث بلغت الزيادة حتى الآن ما يقارب 16-20%، وهو ما سيشكل عبئاً إضافياً على الاقتصاد الأوروبي وعلى تكاليف الإنتاج والخدمات والمعيشة.
رابعاً؛ سبق لأوروبا أن أعلنت خطة للتخلي عن النفط والغاز الروسيين حتى مطلع العام 2027 وتخشى أن تستغل روسيا انقطاع إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط بفعل الحرب، وتقوم بالضغط على أوروبا قبل ذلك التأريخ واستغلال حاجتها لمصادر الطاقة لتغيير موقفها من الصراع في أوكرانيا، وغير ذلك من ملفات شرق أوروبا، وقد لوّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بهذا الخيار عندما قال إن موسكو تفكر بتحويل صادراتها إلى الشرق وآسيا بشكل كامل.
خامساً؛ تدرك أوروبا أن الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي وصلت إلى الجزيرة القبرصية يمكنها استهداف منشآت الطاقة، وما يخص منها الإنتاج أو النقل في شرق المتوسط، ما يعني حرمان أوروبا من سلاسل توريد إضافية للطاقة، وقد هددت إيران بالفعل بأن انخراط أوروبا في الحرب عليها سيقابل برد عنيف.
سادساً؛ تتصرف أوروبا بانتهازية، وتدرك أن الحرب الحالية ستؤدي في الحد الأدنى إلى إضعاف واشنطن وتل أبيب سياسياً في الشرق الأوسط، وهو ما يفسح المجال لها لملء الفراغ السياسي والدبلوماسي الناتج، ما سيقوّي موقفها في إطار التحول الذي تشهده إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أساس جيوسياسي جديد.
سابعاً؛ في ظل سياسة الرسوم الجمركية التي يعتمدها ترامب في التعامل مع دول العالم ومنها أوروبا، فإن دول أوروبا التي تسعى للتشبيك التجاري مع الصين، تخشى من أن تؤدي الحرب الحالية إلى تسريع اتفاق تجاري أميركي/صيني على حسابها كإحدى نتائج هذه الحرب، أو بالحد الأدنى زيادة تكاليف الإنتاج، التي ستجعلها في موقف ضعيف أمام الشريك الصيني في أية اتفاقات تجارية سابقة أو مقبلة.
ختاماً؛ يمكن الاستنتاج بأن أوروبا وأمام هذا الاستحقاق العالمي الجديد، تثبت مرة جديدة بأنها بحاجة إلى النهوض بنفسها من دون الحاجة إلى التبعية للولايات المتحدة، وأن طريقها لتحقيق ذلك ما زال طويلاً، ولا يمكن الجزم بنجاحها في تحقيق ذلك، وخاصة أنها تفتقد حالياً لعوامل الاستقلال العسكري والاقتصادي، ويبقى الخيار الأسلم لها اليوم هو السعي لوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أسرع وقت ممكن.



