في شهر رمضان.. صِلَة الرحم وثبات الخيرات وكبح الشهوات

يوصَف شهر رمضان بأنه شهر الخيرات، وفيه تُغَلُّ أيدي الشياطين، وتنحسر أعمال الشر بنسبة كبيرة، وهذه المؤشّرات ينطق بها الواقع، فجميع الإحصائيات التي تخص الأوضاع الاجتماعية، ونسب الجرائم والقضايا الشريرة تهبط نسبتها بمعدلات كبيرة، كما نلاحظ ذلك في تصريحات الدوائر الرسمية المعنية والشخصيات ذات المناصب الأمنية، والسبب الأهم هو كبح الشهوات غير المشروعة.
وهذا الهبوط الكبير في نسبة الجرائم، أو حتى المشادّات البينية بين الأفراد مع بعضهم، أو بين الجماعات، يشي بشكل واضح عن شيوع حالة الاستقرار النفسي العام، في شهر رمضان، ومع ذلك قد تظهر هنا أو هناك أعمال سيّئة وغير مقبولة تعود أسبابها إلى بعض النفوس الأمَّارة بالسوء، حيث يدخل الشيطان من هذه الثغرة ليزيد حالات التشاجر والتغالب بين الشهوات، والسبب دائما يعود إلى النفوس الضعيفة التي توصَف بقلّة الإيمان.
لذا لابد لكل إنسان أن يستثمر حالة الإيمان والاستقرار التي تسود في المجتمعات والأفراد خلال شهر رمضان، والتي تعود أسبابها إلى تحجيم الأدوار الخبيثة للشياطين في استدراج النفوس نحو مدارج الشر، وإثارة الفتن وإشاعة المشاحنات التي لا تصُبُّ في صالح الجميع، وقد ثبت علميا أن الشيطان روح شريرة تتقمص دور الإغواء للنفوس المستعدة لإبداء الشرّ.
وأيضا يوصَف هذا الشهر الكريم بأنه شهر الله، لهذا هو شهر مبارك، حيث تكون البركة موجودة بشكل واضح وكبير في هذا الشهر، بالإضافة إلى ثباتها على نحو مستدام، والرحمة هي العطف الإلهي على العباد، ودائما نلاحظ ذلك الاقتران الأزلي بين البركة والرحمة الإلهية.
شهر الغفران والرحمة والخيرات
هذا ما تتم ملاحظته من قبل الناس بوضوح، وهو ما يجعل شهر رمضان مختلفا عن سواه من الشهور في قضية البركة والرحمة، من خلال المغفرة التي تُفتَح أبوابها الواسعة في هذا الشهر الكريم، لهذا نجد الإنسان يسعى بجدية عالية وإصرار كبير لتحجيم الشهوات، وذلك للفوز بالمغفرة الإلهية في هذا الشهر كونه شهر الغفران والخيرات والرحمة.
وهناك ميزة رمضانية أخرى لابد أن يستثمرها الصائم، وهي تتعلق بقضية التواصل مع الأرحام، ومع الناس جميعا، وذلك لأن التواصل مع الآخرين بشكل عام يعود بفوائد هائلة على من يبادر بهذه الصفة والفعل الاجتماعي المفيد والمربِح، فمن يصل أرحامه، إخوته، أخواته، أقاربه بشكل عام، سوف تُفتَح له أبواب الرحمة بشكل واضح وكبير في هذا الشهر المبارك.
كما أن الفائدة الجمعية تظهر جلية في تقوية البنية الاجتماعية، حيث الناس جميعا والعوائل تتلاحم فيما بينها، في علاقات متوازنة تدفع بالناس نحو الشعور بالسعادة الحقيقية، وبالأمان، والتفاؤل بالخيرات، وهذا أحد الأسباب الأساسية التي تضاعف قوة العلاقات الاجتماعية، وتزيد متانة الحالات التعاونية بين الجميع، فيصبح المجتمع كتلة من التعاون والاستقرار، والشعور بالأمن والأمان، وهذا بعض ما تعكسه صِلة الرحم على المجتمع.
لهذه الأسباب هناك أحاديث وروايات شريفة لأهل البيت تؤكَّد بقوة أهمية صلة الرحم، وتُظهِر فوائدها الكبيرة، الاجتماعية، والنفسية على الناس جميعا، فالإنسان الذي يصل أرحامه لن يخسر مطلقا، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (مَن أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، ويُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه).
كما أن صلة الرحم تدخل في باب الرحمة، وتزيد منها بين الأهل والأقارب وتنتشر في المجتمع كله، حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، فأبواب الرحمة كلها تُفتح في شهر رمضان الكريم.
مما يتميز به هذا الشهر المبارك، أن الله تعالى يضاعف أرزاق الناس في هذا الشهر، وهو أمر ملموس لمس الحواس، حيث يرى الناس أو يسمعون أو يشعرون بأن أحوالهم تتغيّر نحو الأفضل في شهر رمضان، ويشعرون بأن أرزاقهم تتيسّر وتزداد، فيملأ قلوبهم ونفوسهم شعور بالوفرة المزدوجة (المادية والمعنوية)، ويشملهم نوع من القناعة والشعور بالكتفاء.
ومن الأرزاق التي تتضاعف في هذا الشهر، رحمة الله التي لا تحدّها حدود بالناس، والكرم الذي يغدقه سبحانه على عباده، وذلك الإنعام الإلهي الذي يلامس القلوب والنفوس المؤمنة، وهو ما يعيشه الصائم ويشعر به أكثر مما يحدث في الشهور الأخرى، وهذه ميزة وهِبة ربّانية وهبها الله للمؤمنين في هذا الشهر الكريم.
فتجتمع ثلاثة أركان مفيدة للصائم يدفع بها الله تعالى لعباده، وهي (الرزق، والرحمة، والكرم)، وهي ترتقي كثيرا بالحالة النفسية للإنسان، فيعيش نوعا من الاستقرار والأمان النفسي والاجتماعي الكبير في هذا الشهر المبارك، وهي ظاهرة ينبغي تنميتها وتطويرها وتعميمها بين الناس، لأنها تفتح الطريق نحو بناء مجتمع ذي قناعات مهمة تؤسس نوعًا من الاستقرار والتوازن الذي يفتح الطريق أمام بناء منظومة قيمية تنهض بالمجتمع والدولة معا.



