البوصلة الثقافية في شهر رمضان.. اختيار الغذاء المعنوي

محمد علي جواد تقي..
يعتقد البعض أن ساعات الإمساك عن الطعام والشراب تخلق للصائم حالات نفسية غير مريحة، مثل الملل والكآبة، لأنه يلتزم بالإمساك ليس طوع إرادته، ولا رغبة منه، وإنما هي فريضة دينية منصوص عليها في القرآن الكريم ضمن نداء إلهي مباشر بأنْ {كُتب عليكم الصيام}، وعليه فإن معالجة هذه الحالة النفسية تكون باستغلال فترة ما بعد الإفطار بما لذّ وطاب، تتخللها فترة انبساط بدني ونفسي –حسب الاعتقاد السائد- مما يدعو الى استحضار أدوات لإثارة البهجة والفكاهة فيما يقوله الصائم وما يسمعه ويراه ويفعله، للتعويض عمّا أجهده من الانضباط والالتزام في ساعات الإمساك!.
هل الصيام ممارسة مُتعبة؟
من حيث المبدأ؛ بذل الجهد والتعب لاستحصال النتائج المُرضية، أمرٌ طبيعي في حياتنا، وقد أقرّت البشرية هذه الحقيقة، بأن لا شيء يتحقق في الحياة إلا بالتعب والمشقّة، وينطبق الأمر على عالم المعنويات، فإذا يريد الانسان كسب مرضاة الله –تعالى- عليه بالجهاد مع نفسه أولاً، ثم مع الواقع الخارجي المغاير للإرادة الإلهية والفطرة الانسانية، من طغاة ومنحرفين، إنما يختلف الأمر قليلاً في شهر رمضان المبارك، فهو إمساك عن الطعام والشراب لساعات معدودة، وأيام معدودة أيضاً، ويكفي أن نلقي نظرة متدبرة على خطبة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، في استقبال شهر رمضان، نراه يزخر بالإشارات الإيجابية والحوافز الجميلة: “أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب”، الى آخر الخطبة الرائعة، فأين الانقباض النفسي والملل والسأم في الموضوع؟!
واذا تحاشينا التطرق الى الفوائد الصحية وفق المعطيات العلمية الحديثة كونه حديثاً له مجاله الخاص، فإن الإمساك عن الطعام والشراب والصيام في شهر رمضان المبارك، بل وفي جميع أيام السنة يُعد ممارسة عبادية تنطوي على لذّة معنوية خاصة لا يستشعرها إلا من كان {قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، ثم إن الله –عزّوجل- يبين صراحة لنا في سياق الآيات القرآنية الوارد فيها ذكر فريضة الصيام في سورة البقرة: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ}، فمن الآية 183، الى الآية 187، نقرأ حزمة باهرة من الحوافز على صيام شهر رمضان، بدءاً من عملية التنمية الروحية بالتقوى، ثم المنحة الإلهية بالهداية الى الطريق الصحيح في الحياة، ثم منح الإجازة المرضية لمن لا يقوى على الإمساك في نهار شهر رمضان، ثم الكشف عن حقيقة مذهلة لنا بأن الله قريب، يجيب دعوة الداعي في أيام وليالي هذا الشهر الفضيل، والأكثر من كل هذا، وما يدعو الى الفخر والاعتزاز بأن يكون الواحد منّا من الصائمين في شهر رمضان، إعطاء الأولوية في مرحلة ما بعد الإفطار الى الغريزة الجنسية، وليس الى الطعام او الشراب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}، فهل بعد كل هذا ما يدعو للحديث عن التعب والإرهاق النفسي والبدني؟!
شكر وعرفان
هذه الهبات والعطايا الإلهية في قالبها المعنوي تدعونا لردّ الجميل بما يناسب تلكم العطايا، وإن كان هذا مستبعدا من الناحية العملية وفق النصوص المقدسة التي تؤكد عجز الانسان عن إعطاء حق أبسط نعمة إلهية، بيد أن السعي برجاء القبول يمثل محاولة طيبة على طريق العرفان.
ففي مقابل كل هذا العطاء المادي والمعنوي، يجدُرُ بنا اختيار الغذاء المعنوي المناسب، والمُكمل لما في المائدة الرحمانية، فهل من المعقول أن ننعم بكل تلكم الحوافز الرائعة، ثم نجلس على مائدة الإفطار الشهية، مع الاجواء المعنوية السامية، وبعدها نوجه أسماعنا وأبصارنا الى ما يناقض كل أهداف وغايات وفوائد الصيام؟! فبدلاً من أن نكمل مسيرة التنمية الروحية خلال ساعات الإمساك، ببرامج قرآنية وثقافية وتربوية من شأنها بناء الشخصية الناجحة والقوية، نقتل أوقاتنا ونسخّر مشاعرنا النبيلة لما من شأنه تمييع الشخصية من خلال الفكاهة الفارغة والسخرية المقيتة.
صحيح أن فترة ما بعد الإفطار تتسم بالارتخاء البدني بفعل انتزاع الجهاز الهضمي طاقته من كل أنحاء البدن لهضم ما نتناوله من مختلف الاطعمة والأشربة على مائدة الإفطار، بيد أن هذا لن يكون مبرراً للتكاسل وعدم البحث عن الجيد والجديد من الغذاء المعنوي المفيد في هذا الشهر الفضيل، لاسيما مع وجود مئات المواقع على التواصل الاجتماعي والمنصات والمواقع على الانترنت يمكن أن تكون مصدراً لإفادة أفراد العائلة؛ الصغير منهم والكبير.
وبما أن صيام شهر رمضان في مضمونه العبادي والمعنوي، يمثل فرصة لبناء الشخصية الايمانية، فهو يحمل رسائل ثقافية تحدد مسار السلوك والتصرفات وأيضاً التفكير والحكم على الأشياء، ففي هذا الشهر الكريم نتعرف إلى معايير الأحكام، بين أن يكون هذا مسيئاً للأخلاق والآداب، أو لا يكون، أو أن يكون مفيداً او ضارا.
وقد أشرنا في مقالات سابقة أن الثقافة لا تتبلور في منطقة رمادية، وكل شعوب العالم تحتفي بثقافاتها كونها شعارا إنسانيا يحدد طبيعة حياة الناس، فلا يمكن أن يسير الانسان؛ الفرد أو الجماعة بطريقين مختلفين في وقت واحد، وهذا ما يعلمنا إياه شهر رمضان المبارك، من خلال ما نتناوله من غذاء معنوي خاص مثل الأدعية المأثورة عن المعصومين، عليهم السلام، وتلاوة القرآن الكريم، والاستماع الى البحوث الفكرية والثقافية من خطباء مُجدّين وكفوئين حاضرين بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبرامج عديدة أخرى تشمل في عطاياها، الرجال والنساء والصغار والكبار.



