شهر رمضان وتحقيق الأهداف

يُعد شهر رمضان المبارك محطة استراتيجية لـ “البناء والتقدم”، حيث تصبح فلسفة الصيام مشروعاً متكاملاً لإعادة صياغة الذات والمجتمع. وانطلاقاً من مؤلفاته المنهجية يبرز الشهر الكريم كفرصة ذهبية لتحويل العادات الراكدة إلى انطلاقة نحو الاستقامة والوعي العقيدي، وذلك عبر وضع أهداف عملية دقيقة تلامس روح المؤمن وعقله وسلوكه، مما يحقق تحولاً عميقاً ومستداماً يمتد أثره لما بعد الشهر الفضيل.
فلسفة التغيير في شهر رمضان
تُعد فلسفة التغيير في شهر رمضان المبارك تجسيداً لعملية “إعادة صياغة الذات” من منظور إسلامي شامل، حيث لا يُنظر إلى الصيام بوصفه مجرد انقطاع مؤقت عن الملاذات المادية، بل هو “ثورة بيضاء” على الرتابة والعادات الراكدة التي تكبل طاقة الإنسان وتعيق تقدمه. إن فلسفة التغيير هنا تنطلق من مبدأ أن الإنسان كائن قابل للتطوير والارتقاء، وأن شهر رمضان هو المحطة السنوية الكبرى لإطلاق مشاريع “البناء والتقدم” على الصعيدين الفردي والاجتماعي.
عِلاوة على ذلك، فإن فلسفة التغيير في هذا الشهر تتجاوز البعد الفردي لتصبح “عملية اجتماعية”. فرمضان هو شهر “الإحياء”؛ إحياء القيم الإنسانية التي قد تذبل تحت ضغوط الحياة المادية. إن الجوع الذي يشعر به الصائم ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة فلسفية لخلق “التعاطف الوجداني” و”المواساة العملية” مع المحرومين، مما يؤدي إلى تغيير في بنية العلاقات الاجتماعية من الفردية والأنانية إلى التكافل والاندماج. هذا التحول هو ما يحول المجتمع من مجرد أفراد مشتتين إلى “أمة” حية تتجه نحو هدف واحد.
كيف نختار أهدافنا في شهر رمضان؟
المعيار الأول: العودة إلى صفاء الفطرة
أول خطوة في اختيار الهدف هي “الصدق مع الذات”. يجب أن نختار أهدافاً تنبع من حاجتنا الفطرية للكمال، لا من ضغوط المظاهر الاجتماعية. شهر رمضان يمنحنا “شفافية الوجدان”، وهي اللحظة المثالية لاكتشاف التناقضات الداخلية. لذا فإن اختيار الهدف يجب أن يبدأ بسؤال: “ما الذي يحجبني عن فطرتي السليمة؟”. هل هو الكبر؟ هل هو الجهل؟ هل هو سوء الخلق؟ عندما يكون الهدف هو إزالة هذه الحجب، نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق التحول العميق، لأن العودة للفطرة تعني العودة لمنبع القوة والهدوء النفسي.
المعيار الثاني: معيار “الإحياء” والتأثير
في اختيارنا لأهدافنا، يجب أن نتجاوز الأهداف “الساكنة” إلى الأهداف “المُحْيِية” القرآن الكريم يدعونا لما “يُحيينا”، وهذا يعني أن الهدف الناجح في رمضان هو الذي يبعث الحياة في جوانبنا الميتة. إذا كنت تعاني قطيعة رحم، فإن هدف “الإحياء” هنا هو ترميم هذه العلاقة. إذا كنت تعاني ركودا معرفيا، فإن الهدف هو “إحياء العقل” بالقراءة والتدبر. التحول العميق لا يحدث بالقيام بأعمال روتينية، بل باختيار مهام تُحدث “نبضاً” جديداً في روحك وفي محيطك الاجتماعي، ليكون المؤمن لبنة فاعلة تساهم ببناء صرح المجتمع.
المعيار الثالث: الاستقامة والشمولية
لا ينبغي أن تقتصر الأهداف على البعد العبادي الشعائري فحسب، بل يجب أن تتسم بالشمولية. اختيار الأهداف يجب أن يُغطي محاور ثلاثة: المحور العقيدي (تصحيح الأفكار)، المحور التعليمي (تطوير المهارات والمعارف)، والمحور السلوكي (تهذيب الأخلاق). إن الهدف الذي يحقق تحولاً في مسار الحياة هو الهدف الذي “يستقيم” معه السلوك؛ فالاستقامة في الحياة هي الغاية العظمى. لذا، يجب اختيار أهداف قابلة للاستمرار لما بعد شهر رمضان، لأن قيمة الهدف تكمُنُ في قدرته على تغيير “نمط الحياة” لا في كونه حدثاً موسمياً ينتهي بانتهاء الشهر.
المعيار الرابع: الواقعية والتدرج
من الأخطاء الشائعة اختيار أهداف خيالية تؤدي للإحباط. اختيار الأهداف في رمضان يجب أن يقوم على مبدأ “الغربلة”؛ أي اختيار ما هو أساسي وضروري الآن. ابدأ بتحديد “الثغرات” في شخصيتك. هل مشكلتك في إدارة الوقت؟ في ضبط اللسان؟ في ضعف الثقافة الدينية؟ اختر هدفين أو ثلاثة بتركيز عالٍ، بدلاً من عشرة أهداف مشتتة. التحول العميق هو تراكم لنجاحات صغيرة ومستمرة، وهو ما يعبر عنه بـ “التقدم المتواصل”؛ فالحركة البسيطة للأمام أفضل من القفزات الكبيرة التي يعقبها تراجع.
المعيار الخامس: التوازن بين “الرهبة” و”الرغبة”
عند اختيار الأهداف، يجب شحن الإرادة بدافعين متوازنين: الرغبة في الكمال ونيل رضا الله (الجنة بمفهومها الواسع)، والرهبة من الضياع والتخلف (النار بمفهومها المادي والمعنوي). هذا التوازن يجعل اختيار الهدف عملية “مصيرية” وليس مجرد نشاط تكميلي. عندما ندرك أن رمضان هو “فرصة العمر” التي قد لا تتكرر، وأن أهدافنا فيه هي التي ستحدد مسارنا المستقبلي، ستتحول عملية الاختيار من مجرد كتابة نقاط على ورقة إلى “عقد” مع الله ومع النفس لتحقيق نقلة نوعية في الوعي والسلوك.
ما هي الأهداف التي يجب أنْ نختارها؟
المحور الأول: الأهداف العقيدية (ترميم الجذور)
إنَّ أول وأهم هدف يجب أن يضعه الصائم نُصْبَ عينيه هو “تصحيح وتعميق العقيدة”. فالعقيدة هي المحرك الأساس لكل سلوك إنساني.
1-الاستبصار القلبي: الهدف هنا ليس مجرد ترديد الأذكار، بل الوصول إلى حالة من اليقظة العقيدية تجاه أصول الدين (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد). شهر رمضان هو الوقت المثالي للتفكر في “فلسفة الوجود” وعظمة الخالق، مما يؤدي إلى طرد الشكوك والأوهام التي تراكمت بفعل الانشغال بالماديات.
2-تعميق الولاء والارتباط: فالارتباط بالعترة الطاهرة هو “ملاذنا” في مواجهة التحديات. لذا، يجب أن يكون أحد الأهداف هو دراسة سيرتهم ومنهجهم لتحويل “العاطفة” إلى “اقتداء عملي”. إن فهم نهج أهل البيت (ع) في العبادة والتعامل مع الناس يُعد هدفاً عقيدياً يغير مسار الحياة بالكامل.
المحور الثاني: الأهداف التعليمية (ثورة الوعي)
شهر رمضان هو “ربيع القرآن”، وهذا الربيع لا يزهر إلا بالتعلم والتدبر. الأهداف التعليمية هي الجسر الذي يعبر به المؤمن من الجهل إلى النور.
1-إتقان القراءة والتدبر: لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد “ختم القرآن” كميةً، بل الهدف الحقيقي هو “تعلم القراءة الصحيحة” وفهم معاني الألفاظ. إن تخصيص وقت يومي لمدارسة تفسير الآيات وربطها بالواقع المُعاش يحول القرآن من كتاب للقراءة إلى “منهاج عمل”.
2-اكتساب المعرفة النافعة: يشدد المنهج الرمضاني على ضرورة “رفع المستوى الثقافي”. الهدف التعليمي الناجح هو الذي يتضمن قراءة كتب فكرية أو دينية تزيد من وعي المؤمن بتحديات عصره، وتسلحه بالمنطق والحُجة في مواجهة الأفكار الهدامة. إن الأمة التي تقرأ في شهر القرآن هي الأمة التي تمتلك زمام التقدم.
المحور الثالث: الأهداف السلوكية والاجتماعية (صناعة الإنسان الفاعل)
هذا المحور هو “ثمرة” العقيدة والتعلم، وفيه يظهر الأثر الحقيقي للصيام في سلوك المؤمن تجاه نفسه وتجاه مجتمعه.
1-تهذيب الأخلاق (المجاهدة): الهدف هنا هو “الاقتلاع”. اقتلاع رذيلة واحدة (مثل الكذب، الغيبة، الحسد، أو الغضب) وزراعة فضيلة مقابلة لها. إن النجاح في تغيير خلق واحد خلال ثلاثين يوماً يعد إنجازاً يفوق ألف ركعة مستحبة، لأنه يغير “جوهر” الشخصية.
2-المواساة العملية والتكافل: من الأهداف المركزية التي طرحتها الملفات هو “الخروج من الفردية”. يجب أن يختار الصائم أهدافاً تتعلق بـ “إصلاح الغير” والمساهمة في الهيآت والمؤسسات الاجتماعية. إن استشعار جوع الفقراء يجب أن يتحول إلى “مشروع عملي” للمساعدة، سواء بالمال أو الجهد أو الكلمة الطيبة.
3-تحقيق الاستقامة: الهدف الأسمى هو تحويل الالتزام الرمضاني إلى “استقامة دائمية”. رمضان هو “دورة تدريبية” مكثفة، والهدف النهائي هو أن تخرج من الشهر بـ “نمط حياة” جديد يتسم بالانضباط، والصدق، والفاعلية، والقدرة على مواجهة ضغوط الحياة بروح إيمانية صلبة.
تحقيق الأهداف الرمضانية
تُعتبر الخطوات العملية الجسر الذي يربط بين “الأهداف النظيرة” و”الواقع المُعاش”. فبدون منهجية واضحة للتنفيذ، يظل شهر رمضان مجرد ذكرى عاطفية عابرة بدلاً من أن يكون محطة لتحول حياتي عميق، ويمكن بلورة الخطوات العملية لتحقيق الأهداف الرمضانية في ست خطوات منهجية تتسم بالدقة والفاعلية:
الخطوة الأولى: التصميم والعهد الصادق
يبدأ التغيير من “الإرادة”. الخطوة الأولى والأساسية هي أن يجلس الإنسان مع نفسه ليضع “تصميماً” محكماً لما يريد إنجازه. هذا التصميم يجب أن يتحول إلى “عهد” غليظ مع الله سبحانه وتعالى. فالإنسان الذي يدخل الشهر دون نية محددة وعزم أكيد سيفقد بوصلته أمام المغريات اليومية أو الرتابة. العهد الصادق يعني استحضار النية في كل حركة وسكنة، والوعي بأن كل يوم يمر من رمضان هو فرصة تأريخية قد لا تتكرر، مما يستوجب “الجد والاجتهاد” وترك الكسل والخمول.
الخطوة الثانية: الغربلة والتنقية الجسدية والروحية
قبل البناء، لا بد من “التطهير”. يركز المنهج الرمضاني على ضرورة “نقض” ما علق بالنفس من غبار الجهل والتخلف.
الخطوة الثالثة: تنظيم الوقت وبرمجة اليوم الرمضاني
التحول العميق يتطلب “انضباطاً”. تقترح الملفات تحويل اليوم الرمضاني إلى “مدرسة” متكاملة عبر توزيع الأوقات بدقة:
* وقت للتدبر: تخصيص ساعات الصباح أو ما بعد السحر للقراءة الواعية للقرآن الكريم وتعلم التفسير.
* وقت للمجاهدة: تخصيص وقت لتمرين النفس على “الورع عن محارم الله”، وهو أفضل الأعمال في هذا الشهر.
* وقت للعمل الاجتماعي: لا يجوز أن ينغلق المؤمن على نفسه؛ بل يجب أن يتضمن برنامجه العملي وقتاً لخدمة الآخرين أو المساهمة في مشاريع خيرية.
الخطوة الرابعة: الانخراط في العمل الجماعي (الهيآت والمؤسسات)
* تأسيس أو المشاركة في مجالس العلم: حضور الندوات والمحاضرات التي تطور الوعي العقيدي والسياسي والاجتماعي.
* تفعيل “الهيآت القرآنية”: تحويل المساجد والبيوت إلى مراكز إشعاع فكري، حيث يتعاون الجميع على فهم القرآن وتطبيقه. العمل الجماعي يحول الهدف من طموح شخصي إلى “ثقافة مجتمعية” تدفع نحو التقدم.
الخطوة الخامسة: المراقبة والمحاسبة اليومية
لتحقيق تحول في مسار الحياة، يجب تطبيق مبدأ “المحاسبة”. في نهاية كل يوم رمضاني، يجب على المؤمن أن يسأل نفسه:
* هل أنا اليوم “جديد” فعلاً كما أراد الإسلام؟
* هل تقدمت خطوة نحو أهدافي العقيدية والتعليمية؟
* هل كنت “أحسن” حالاً من أمس؟
هذه المراقبة تمنع التسويف وتساعد على تصحيح المسار فوراً قبل ضياع أيام الشهر. إن “تساوي اليومين” علامة على الخسران، لذا فإن كل يوم يجب أن يشهد “لبنة جديدة” تضاف إلى شخصية المؤمن.
الخطوة السادسة: الاستمرارية (ما بعد رمضان)
الخطوة العملية الأخيرة والمحورية هي “تجسيد النتائج”. التحول العميق ليس له تأريخ انتهاء. الخطوة العملية هنا هي وضع خطة “للانتقال” بالصفات المكتسبة في رمضان إلى بقية شهور السنة. إذا تعلم المؤمن الصدق، أو التدبر، أو المواساة في رمضان، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ في شوال. الاستمرارية هي التي تحول “الحالة الرمضانية” إلى “هوية إنسانية” مستدامة، وهي الغاية من “البناء والتقدم”.



