رسالتان إلى قلب المرأة في زمن الابتلاء

صباح الصافي..
تمرُّ المرأة في امتداد حياتها بمحطَّات إنسانيَّة دقيقة الأثر، قد تُخلِّف في أعماقها بصمات نفسيَّة طويلة المدى؛ فتجربة الطلَّاق قد تُحدث اضطرابًا في الإحساس بالاستقرار، والفقد يُزعزع الشُّعور بالأمان من جذوره، والإهمال يُراكم في الدَّاخل صمتًا مُثقَلًا بالوجع، كما أنَّ تشابك العلاقات الأسريَّة وسوء الفهم قد ينسجان حولها دائرة من المشاعر المتداخلة التي تُتعب القلب وتُربك التَّوازن النَّفسي. وهذه المحطَّات، على تباين صورها، تلتقي في كونها اختبارات تمسُّ المنظومة العاطفيَّة العميقة للإنسان، ولا سيَّما المرأة بما تحمله من رهافة إحساس واتِّساع في مساحة الشُّعور.
إلَّا أنَّ وطأة المعاناة، مهما اشتدَّت، لا تُفضي بالضَّرورة إلى الانغلاق أو الانكسار الكامل؛ ويظل الإيمان بالله (تبارك وتعالى) مرجعًا ثابتًا تلجأ إليه النَّفس حين تضطرب، فتجد في حضرته سكينةً تعيد ترتيب الذَّات، ومعنًى يبدِّد الشُّعور بالضَّياع. وعندما تدرك المرأة قيمتها الحقيقيَّة بعيدًا عن الظُّروف الطَّارئة، وتتمسَّك بأصالتها الأخلاقيَّة، يتحوَّل هذا الوعي إلى قوَّة هادئة تمنحها قدرة على الصَّبر الواعي، وتفتح أمامها أفقًا لإعادة بناء ذاتها برويَّة وثبات، من غير استعجال ولا انهيار.
ومن حالة التَّوازن بين التَّسليم لقضاء الله (سبحانه)، وحفظ الكرامة الذَّاتية، والثَّبات على منظومة القيم، تتكوَّن داخل المرأة طاقة نهوض متجدِّدة. وهذه الطَّاقة تدفعها إلى تجاوز العثرة، وتعيد تشكيل نظرتها إلى ذاتها وإلى الحياة؛ فتخرج من التَّجربة بوعي أعمق، وبصيرة أنقى، وروح أكثر رسوخًا. عندئذٍ تستعيد استقرارها النَّفسيَّ، وتعيد تنظيم مسار حياتها على أسس أوضح، وتنظر إلى ما مرَّ بها بوصفه خبرة نضجت بها رؤيتها، لا حملًا يقيِّد مستقبلها أو يحجب عنها إمكانيات الغد.
إنَّ الألم مهما اتَّسع لا يُغلق أبواب الحياة، وما يبدو خاتمة قد يكون تحوّلًا نحو بداية أكثر وعيًا واتِّزانًا. فحكمة الله (سبحانه) لا تجري اعتباطًا؛ وما من ابتلاء إلَّا وينطوي على تربية خفيَّة للنَّفس، وما من صبر يستقر في القلب إلَّا ويهيئ لمخرج، ولا ارتباط بالقيم إلَّا ليكون مصدر رفعة وطمأنينة راسخة وسلامٍ يسري في أعماق قلبٍ وثق بالله (عزَّ وجلَّ) وتوكَّل عليه.
الرِّسالة الأولى: من الانكسار إلى بداية جديدة.
إلى المرأة التي تشعر أنَّ تجربة الطَّلاق قد حجبت نور أيَّامها، وأوحت لها بأنَّ مسارات الحياة قد أُغلقت، يمكن القول: إنَّ هذا الحدث، على قسوته، لا يُمثِّل خاتمة الطَّريق بقدر ما يشكِّل نقطة تحوّل في الحياة. فإنَّ التَّحوّلات الكبرى في حياة الإنسان لا يُقاس أثرها بمظهرها الآني؛ ولكنَّها تفتح إمكانيات جديدة لإعادة بناء الذَّات وتنظيم الأولويات من جديد وإعادة توجيه المسار برويَّةٍ واتِّزان. والحياة، بطبيعتها المتغيِّرة، لا تستقر على صورة واحدة؛ وكلُّ انتقال، مهما بدا مؤلمًا، قد يحمل في أعماقه استعدادًا لمرحلة أكثر نضجًا واتِّساعًا في الوعي.
الرِّسالة الثَّانية: الحزن المشروع واستمرار رسالة الحياة.
كلُّ صباح جديد هو عطيَّة من الله (سبحانه)، ونفحة من رحمته، تمنحك فرصة لاستعادة الأمل، ولفهم ما مضى من ذكريات، وما هو آتٍ من لطفٍ وخيرٍ لم يتجلَّ بعد. ومع إدراك هذا البعد، يُصبح الحزن مشروعًا ضمن منظومة متكاملة للتربية الإيمانيَّة، فالقلوب المتعلِّقة بالله (سبحانه) لا تُترك وحيدة في عتمتها؛ بل الله (سبحانه) أقرب إليها ممَّا تتصوَّرين، يسمع أنينكِ، ويرى دمعتكِ، ويجبر كسركِ في الوقت الذي يريده بحكمته. قد تبهت الدُّنيا للحظات، وقد تخفت ألوانها؛ لكن نور الإيمان والتَّوكل على الله (تعالى) يظلُّ منارة ثابتة، تهدي النَّفس نحو السَّكينة والرِّضا، مهما اشتدَّ الظَّلام.
وقد أكّد القرآن الكريم على هذا المعنى حين قال (عزَّ وجلَّ): (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
كما وجَّه أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) إلى ضبط جزع النَّفس بالصَّبر، فقال: “اغْلِبُوا الْجَزَعَ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الْجَزَعَ يُحْبِطُ الْأَجْرِ وَيُعَظِّمُ الْفَجِيعَةَ.



