اخر الأخباراوراق المراقب

التأسيس لدولة العدل بظهور الإمام المهدي(عج)

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني..

العدل قيمة إنسانية سامية والسعي إليه غاية لا مناص منها ولا تستقيم الحياة بكل جوانبها بدونه، ولعله واحداً من أهم أسباب التأسيس لدولة مستقرة ومجتمع آمن وأسرة كريمة وفرد صالح، ولقد أكدت كل الرسالات السماوية على ضرورة العدل ولذا نقرأ في المصحف الشريف قول الله تعالى “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” وقوله تعالى أيضاً “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ”، وقال تعالى في مورد أخر “وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ”.

 فقد حرص الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم على ان يكرس العدل كمنهج حياة، ودأب على حث المسلمين على تربية أبنائهم وفق أسس دينية وعقائدية سليمة قائمة على أساس نبذ الظلم والعدوان، وليس بغريب على هذا الشخص العظيم فهو من شهد له الجميع بنقاء السريرة واستقامة السيرة فلم يتلوث بأخلاق الجاهلية حتى عُرف بالصادق الأمين قبل البعثة المباركة، واستمر على هذا النهج القويم إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، وأن الإمام المهدي عليه السلام يمثل الامتداد الطبيعي لرسول الله فهو التجسيد الحقيقي للعدل الإلهي المطلق على الأرض، يعمد إلى ما عطل من الشرائع والسنن فيحيها ليحرز العدل والمساواة بين الجميع ولا تأخذه في الله لومة لائم.

 كما كان جده الإمام علي عليه السلام أيام حكمه في الكوفة فالغاية عنده أولاً رضا الله الذي يتحقق في العدل بين الرعية حيث تُوجه كل إمكانيات الدولة لخدمة الفرد وتحقيق السعادة له والأولوية الأولى هي القضاء على الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، يقول الإمام علي عليه السلام مخاطباً أهل الكوفة في بعض خطبه “أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ: فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْما تَعْلَمُوا. وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ: فَالوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِـي الْـمَشْهَدِ وَالْـمَغِيبِ، وَالاِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ”.

ولابد للإمام عليه السلام ليحقق ما تقدم من اتخاذ خطوات عملية في طريقه إلى تحقيق الغاية النهائية عند ضمان سيادة العدل المطلق بين الأفراد والمخلوقات، لهذا لابد من:

1- استئصال رموز الانحراف والظلم والجور وفي مقدمتهم حكام الجور وأعوانهم، فهم أسس الظلم والفساد في الأرض وما الظلم الذي عانت منه البشرية إلا نتاج هذه الفئة التي استحبت الاستبداد واستباحت الحرمات وأفسدت الحرث والنسل إرضاءً لغاياتها ومصالحها الضيقة.

2- إصلاح جذري وحقيقي للمنظومة القانونية التي مثلت ولا تزال العصا التي يبطش بها الحاكم المستبد بالعودة بالناس إلى القواعد الأخلاقية والقيم السماوية التي تتفق مع الفطرة الإنسانية النقية أولاً ومقتضيات العدل والمساواة ثانياً.

3- العمل على إزالة الأسوة السيئة والأمثلة المضللة للفرد والمجتمع، فمن الخطورة بمكان أن يعجب الفرد برموز الفساد أو الانحراف والانحطاط الأخلاقي والإنساني، حيث نرى اليوم أن هؤلاء يتم تقديمهم للجيل الناشئ أنهم قدوة وأسوة حسنة، ويتم استبدالهم برموز تخلد القيم الأخلاقية وتتبنى السيرة الوسطية كبعض الصالحين أو المصلحين.

4- إزالة أسباب التفريق بين الناس لاسيما الحدود الدولية التي باتت تمثل أقصى درجات التطرف في الفكر والسلوك والتمييز على أساس قومي بالدرجة الأساس فما تقدم يمثل حواجز تحول دون تحقيق الكرامة الإنسانية، في الوقت الذي تمثل الرؤية الإسلامية الحكيمة أن وحدة الأصل والمصير هي الأساس فلا تقر الشريعة السمحاء التجزئة والتفاوت في التعامل بين بني البشر، وما ذاك إلّا مصداق لقول النبي محمد عليه أفضل التحية والسلام “كلكم لآدم وآدم من تراب” فالرخاء والسلام والعدل بين الناس قيمة عليا لابد من السعي اليها في كل الظروف.

ويساعد على تحقيق ما تقدم مجموعة من المقومات الأساسية أهمها:

1- القيادة الواعية: حيث يمثل مشروع الحكم الإسلامي بقيادة الإمام المهدي امتداد حقيقي للحكم المحمدي، فرئاسة الدولة ستكون للإمام نفسه وهو سليل الدوحة المحمدية الطيبة التي أثبتت نجاحها منقطع النظير في القضاء على المشكلات ومعالجة أسبابها من الجذور في أيام حاكمية النبي محمد وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، يقول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”.

2- إسناد الوظائف العليا في الدولة سيكون معياره الأوحد القدرة والكفاءة والنزاهة: بعيداً عن أي معيار منحاز لفئة أو جماعة أو انتماء أو آيديولوجية معينة يقول الله تبارك وتعالى “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”، ورشد الحكم لا يكون إلا إن كان هنالك رقابة فاعلة على تصرفات الأتباع وقادة الجند والمؤتمنين على الأموال بصيغة تصويب أخطائهم وإقالة عثراتهم إزاء البلاد والعباد، فالتأريخ يحدثنا أن أمير المؤمنين علي عليه السلام كان شديد المتابعة لعماله في كل أصقاع الدولة ويحاسبهم على أخطائهم ويقدم لهم النصح والإرشاد حيث يكتب لأحد عماله فيقول ((وإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى، لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الأَكْبَرِ، وتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ ولَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ، ولُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ ونَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ، ولَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، ويَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ، ولَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَه فِي الْقُرْصِ، ولَا عَهْدَ لَه بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى، وأَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: وحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ * وحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ)).

3- يكون الطريق إلى التشريع في نطاق الدولة ككل بيد ذوي الخبرة والكفاءة والإمكان في استنباط الحكم من مصادره الأصلية: لا سيما أن الشريعة الإسلامية تُعد المصدر الأساس فيما تقدم حيث ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنها تصلح لكل زمان ومكان، ولذا يكون من المستساغ إعادة النظر في التشريعات غير العادلة التي تفضي إلى التمييز بين بني البشر على أساس الجنس أو اللون أو الطائفة أو العرق، وحينه فقط تتحقق نبوءة السماء حين يصرح القرآن الكريم أن الله عزَّ وجلَّ وعد الإسلام بالنصر فقال “ليُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ”.

4- يكون العدل الأساس الوحيد لبناء نظام الحكم: ما يفتح الباب واسعاً أمام القضاء على كل مظاهر الفساد الأخلاقي والاجتماعي، فيمنع الغش والغبن والرِّبا في المعاملات التجارية، وعندها تطوى صفحات المنكر والبغي وتفتح صفحة المعروف والإحسان والحق أن الله تبارك وتعالى أشار إلى هذا المعنى في محكم الذكر الحكيم بقوله عز من قال “الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور”.

5- تكامل الوعي الإنساني في دولة الإمام المهدي عليه السلام فلا مكان فيها للتيارات الفكرية المنحرفة أو المتطرفة التي تجد في عقول وحياة البسطاء من الناس مرتعاً تخضر فيه وتنمو وتنتج شروراً لا سبيل إلى التخلص منها، ففي عصر ظهوره المبارك يكون الحق قد بان وتجلى وأن الظلم والفساد قد تجلى أيضاً فعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال “إذا قام قائمُنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكَمُلت به أحلامهم”.

6- دولة الإمام المهدي هي دولة الحق مصداقاً لقول الله تبارك وتعالى “ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ”، فالحق صنو العدل وبالضد من الظلم أو الطغيان حين ينال كل ذي حق حقه فيكون لكل الكائنات العيش في ظل دولة تكفل الحقوق وتصون الحريات، وحينما نطالع كتاب الله نوقن بهذه الحقيقة في القصة المعروفة حين أخبر الله تبارك وتعالى للملائكة بخلق الانسان فجرت محاوزة مُفادها “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى