اخر الأخبار

السياسة والإسلام

لقد ذاق أمير المؤمنين(عليه السلام) الويلات والغصص من ذلك المجتمع الغافل منذ اللحظة الاولى لرحيل المصطفى فلم يبرد سعير قلبه بفقد ابن عمه حتى خرج المنافقون من دهاليز الارض المظلمة وأنفاقها وقد احترقت الأقنعة بنار الحقيقة المرة فنزل لميدان الصراع من أجل السلطة ثعالب وذئاب أبرزت مخالبها الحادة لتنهش مكاناً لها في حكم الأمة الإسلامية وتعيد الامور لأيام العصر الجاهلي مبتغية لنفسها مكانة في التصدي لشؤون المسلمين بعد ان فشلت بارتقاء سلمه في الدولة الاسلامية المحمدية لأن الخاتم المرسل (صلى الله عليه وآله ) كان يعرف أن تلك الجماعة اللاهثة للمقامات الزائلة لم تكن تستحقه وهي ليس بالمستوى الملائم لتطبيق نظامه وتشريع احكامه وهي بالفعل لم تحفظ كرامة لأحد ولم يكن لها واعز أو ضمير فقد جمعت فلولها وحملت سلاحها وهجمت على بيت آل النبي وعترته وأضرمت النار في بابهم مطالبة أمير المؤمنين وولي الحق والخليفة الشرعي للأمة بالبيعة للخليفة المفروض وقبول ولايته ولزوم مبايعته والرضوخ لحكمه ,لقد صادر هؤلاء أراء الناس وبدلوا الحكم الشرعي باجتهادات باطلة خلطوا فيها الارادات الدنيوية بالأحكام السماوية فأنتجوا مفاهيم جديدة تلتقي مع أطماعهم وتهبهم حطام الدنيا ومفاتيح كنوزها ومتاعها ..عاش الإمام علي (عليه السلام) في تلك المدة يجرع حنظل الصبر مما يرى ويسقى من ضيم وألم.. يقول الإمام علي (عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية: (أمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابن أبي قحافة وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّه فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً) نعم لقد شهد إبن ابي طالب الآلام والمحن واكتملت مصائبه وأحزانه بفقد سيدة نساء العالمين زوجته الزهراء (عليها السلام) وأم ولديه الحسن والحسين(ع) حيث سقتها الأيام العصيبة لوعة الأحزان من كأس الفراق بفقدها لأبيها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ورأت معاناة ولي الله وإبن عمها وما ذاق من تلك الفئة من ضيق وحصار وعذاب وسددت لها سهام الظلم من تلك الفئة المتسلطة وأخذ أرثها منها عنوة بحجة باطلة وحديث مفترى رواه أحدهم عن النبي فماتت وهي ناقمة غاضبة على هؤلاء المغتصبين لحقها وحق زوجها.. إلا أن امير المؤمنين (ع) لم يترك الاسلام وحده في غربته ومحنته بل كان يداوي آلامه ويلثم جراحه كل ما أتته الفرصة او سمحت له الظروف آنذاك وكم ذكر لنا التاريخ من روايات معتبرة وقصص متفق عليها من وقوع المتصدين للدولة الاسلامية بمعضلات وفتن كثيرة وكبيرة كادت تقضي على الدين او تكسر هيبته أو تمحو ذكره بعضها كان يفتعلها أعداء دين الإسلام المحمدي وشرعه الأصيل ونقل الرواة وأرباب الحديث كيف كان الخلفاء والمسلمون يلوذون ويلجأون الى باب مدينة علم النبي علي (عليه السلام) ليجد لهم حلا لمعضلاتهم ومشاكلهم ويخط الحلول الناجعة بقلم علمه وحبر حكمته ولذلك يقول الخليفة الثاني ليس من (معضلة الا ولها ابن ابي طالب) ويقول ايضا( لولا علي لهلك عمر) نعم فلولا وجود الولي الهادي والإمام الحق ولولا علمه الرباني وصبره وحفظه لشريعة الدين ومنهجه الصحيح لمحيت اثار الاسلام وحرفت مبادئه وفي جواب حول السؤال عن سبب سكوت الإمام علي (عليه السلام) عن حقه بالخلافة يتبين لنا أن ذلك من منطلق أخذ المصالح العليا بعين الاعتبار فلم يقم بأيّ عمل ظاهري في سبيل إرجاع حقّه بعد أن رأى انّ الوسط العام في المجتمع آنذاك قد خدع بالمجريات التي حاكها الغاصبون لحقه، فخشي قيام الفتن الداخليّة وحدوث الردّة عند الأكثر لأنهم كانوا قريبي العهد بدين الإسلام واستغلال الأجانب لذلك في الهجوم على الدولة الإسلامية الفتيّة ، فصبر عن حقّه الواضح بعد ما بينه وألقى بحجته على المجتمع بلسانه أحياناً وبسلوكه تارةً، وإليه يشير في نفس الخطبة المذكورة آنفا : (فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى)..
يتبع

الشيخ محمد الساعدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى