لوحات عدنان عبد القادر.. عندما يتحول اللون إلى كيان حي يتحرك داخل اللوحة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
ترى الناقدة أميرة ناجي أن تجربة التشكيلي عدنان عبد القادر في جوهرها رحلة في الذاكرة البصرية حيث يتحول اللون إلى كيان حي يتحرك داخل اللوحة ويمنحها طاقة تتجاوز حدود الشكل ويجعل المتلقي شريكًا في إعادة بناء المشهد.
وقالت ناجي في قراءة نقدية خصت بها “المراقب العراقي”: “يقول هنري ماتيس إن اللون يملك قوة تؤثر مباشرة في الروح وهذه الحكمة تكشف جوهر الفن الذي يبتعد عن الحكاية المباشرة ويقترب من اللمسة الأولى للدهشة، فالفنان الذي يجعل اللون مركز رؤيته لا يبحث عن التجميل بل عن خلق عالم آخر يتراءى للمتلقي من خلف حدود الشكل الظاهر ومن هنا تصبح الحكمة مدخلًا مناسبًا لفهم عالم الفنان عدنان عبد القادر الذي يبني لوحاته على شغف خالص بالضوء والحركة والانبثاق الداخلي”.
وأضافت :” عند النظر إلى لوحاته تبرز أولًا العلاقة الحية بين الفضاء اللوني والنبض الشعوري فاللوحة الأولى تتقدم مثل موجة من الطبيعة التي تتحرك داخل فضاء حر فالأزرق الواسع في أعلى المشهد ينساب كسماء تتغيّر ملامحها بينما تتفجر الألوان في الأسفل في طبقات متعددة تشبه بساتين تتفتح دفعة واحدة ويبدو أن الفنان هنا يترك للفرشاة أن تقود الإيقاع فتتشكل بقع صفراء وحمراء وخضراء وبنفسجية في حركة تقترب من الاحتفال اللوني الذي يربط بين الفوضى والانسجام في وقت واحد وتساعد الطبقات الكثيفة على منح السطح طاقة حسية تجعل اللوحة أقرب إلى مشهد طبيعي لكنه مشهد يولد من داخل الإحساس لا من الواقع المرئي”.
وتابعت:” في اللوحة الثانية يظهر بناء بصري مختلف يعتمد على كتلة معمارية تتوسط فضاء ملتهب باللون الأحمر الذي يأخذ درجات متعددة من الدفء والحدّة فتغدو الخلفية مثل جدار من النار بينما تتشكل الكتلة في المنتصف من مربعات وخطوط وتشققات ضوئية تمنح العمل حس المدينة المعلقة وكأن الفنان يعيد تأويل صورة المكان الشرقي الذي تنصهر فيه الذاكرة مع الحاضر، فالألوان الفاتحة وسط البناء تبدو كوميض حياة مشتعلة داخل هذا التكوين الناري الشاسع وتتحرك الخطوط الصاعدة كأنها محاولة لالتقاط ما تبقى من الضوء وسط صراع ساخن بين الكتلة والفراغ”.
وأوضحت أن” اللوحة الثالثة تبدو أكثر هدوءًا لكنها مشحونة بطاقة الضوء إذ يتسع اللون الأبيض في الأعلى ليمثل منطقة تنفّس بينما تتراكم الألوان الدافئة عند الحافة السفلية في درجات من الأصفر والبرتقالي والوردي في حركة تشبه الفجر حين يقترب من الظهور، ويبدو أن الفنان هنا يستثمر فكرة التحول من السكون إلى الحركة ومن البرودة إلى الدفء ومن الفراغ إلى الامتلاء فتتجاور اللمسات الخفيفة مع الطبقات السميكة بطريقة تعكس وعيًا عميقًا بعلاقة الضوء بالروح”.
وأشارت إلى أن أسلوب عدنان عبد القادر ينتمي إلى التعبيرية اللونية الحديثة فهو لا يرسم الأشياء كما تبدو بل كما يشعر بها وتصبح ضربات الفرشاة عنده جزءًا من المعنى وليست وسيلة تقنية فهو يراهن على كثافة اللون وعلى ملمس السطح وعلى حركة الضوء داخل اللوحة ويقترب أحيانًا من التجريد التعبيري حين يتخلى عن الشكل المحدد ويعتمد على الموجات اللونية التي تمنح العمل اتساعًا داخليًا يستدعي تأملًا عميقًا ويعتمد على التوازن بين الحرية والتماسك حيث يترك للون أن يندفع لكنه يبقي الإيقاع مضبوطًا حتى لا يتشتت البناء البصري”.
وواصلت :” ورغم التجريد الظاهر في أعماله إلا أن جذور الموروث الحضاري حاضرة بقوة، فالمدينة المتوهجة في اللوحة الثانية تحمل صدى المدن العربية القديمة التي تتراكم في ذاكرة المكان كطبقات من حجر وضوء كما أن الزخرفية اللونية التي تتكرر في ضربات الفرشاة تذكر بالفنون الإسلامية التي تعتمد على التكرار واللمعان الخفيف أما الطبيعة المتدفقة في اللوحتين الأولى والثالث فهي تتكئ على علاقة الإنسان الشرقي بالضوء والفصول والانبعاث وتستعيد صور الحدائق والأفق المتلألئ والسماء التي تتبدل ألوانها في ساعات الصباح والمساء كما يقترب عمله من الروحانية الشرقية في طريقة صعود الضوء من العتمة نحو البياض في لوحة الفجر التي تشبه رحلة داخلية نحو الصفاء”.
وأكملت :إن” تجربة عدنان عبد القادر في جوهرها رحلة في الذاكرة البصرية حيث يتحول اللون إلى كيان حي يتحرك داخل اللوحة ويمنحها طاقة تتجاوز حدود الشكل ويجعل المتلقي شريكًا في إعادة بناء المشهد فهو لا يقدم لوحة مكتملة بقدر ما يفتح نافذة على حالة شعورية تتشكل مع كل نظرة وتدعونا أعماله إلى قراءة العالم من جديد عبر الضوء والملمس وطبقات اللون التي تكشف أن الفن ليس تمثيلًا للواقع بل إعادة خلق له بلغة الروح قبل العين”.



