اخر الأخبارثقافية

“بيروبيجان” رواية تتجاوز حدود الواقع لترسم سيناريو ما بعد طوفان الأقصى

رواية “بيروبيجان: أوراق بنيامين” لوائل أحمد مكاحله ليست مجرد سرد متخيل لمستقبل ما بعد الكارثة فهي تتجاوز حدود الواقع الآني بجرأة لترسم سيناريو ما بعد طوفان الأقصى، حيث ينقلب ميزان القوة وتُجلى القوة الغاشمة عن الأرض التي اغتصبت، ليجد المنفيون أنفسهم مطرودين إلى منفاهم الجديد المؤقت (بيروبيجان). هذا المنفى، تلك الجزيرة الجليدية القريبة من القطب، ليس مجرد موقع جغرافي، وإنما رمز مكثف لبرودة الروح وجمود القلب.
استطاع الكاتب ببراعة أن يحول الجليد الكندي القارس إلى مرآة تعكس صقيع المشاعر الذي ضرب كيان مجتمع بُني على أسس الاغتراب والتنكر لحق الآخر، مجتمع أقصي إلى آخر الأرض (كأننا وباء وجب التخلص منه).
بطل الرواية هو صوت الأجيال الضائعة التي ورثت لعنة الآباء والأجداد ووجدت نفسها مضطرة إلى “أن نضرس نحن حصرم الآباء والأجداد”.
نجح الروائي مكاحله في استثمار رمزية بيروبيجان بأبعادها التاريخية الساخرة، فالمقاطعة السوفييتية التي خصصها ستالين كوطن أول لليهود قبل أن يتخلوا عنها لفلسطين، تعود كمنفى نهائي، كأرض مؤقتة دائمة. هذه العودة القسرية إلى نقطة الانطلاق الجغرافية تمثل عودة فادحة إلى الصفر الأخلاقي. في هذا المنفى لا يتعلم المنفيون الدرس، فما زلنا نظلم ونسرق ونغش ونطفف، وما زلنا نقسم البشر إلى أعراق.
الرواية هنا توجه سهامها إلى حقيقة أن أي كيان يقوم على الظلم والهيمنة يمتلك بذور فنائه الداخلي، كما تشير أسفار التوراة التي تتصدر فصول الرواية كنذير، مؤكدة أن المجتمع الذي قام على فكر ديني متطرف يحمل في داخله أسباب فنائه ونكبته. هذا هو الطابع الإنساني الحقيقي، لوم النفس على الفشل والاعتراف بأن الكأس تدور، وأن الظلم الذي أذقناه لغيرنا حين اكتسبنا القدرة على الظلم كان أكبر بكثير من ذاك الذي تجرعناه نحن.
إنها تراجيديا الاعتراف المتأخر جداً التي يكتبها الراوي من موقعه الجديد، وهو يراقب قومه وهم يكررون نفس النهج الفاسد، مقتنعاً بأن الاعتراف يؤدي إلى التطهر من المرض.

في النهاية تعد “بيروبيجان: أوراق بنيامين” صرخة قلم مدوية، تتسلح بالنثر المكثف لتخترق جدار الصمت والعجز. إنها ليست عملاً تنبئيا بقدر ما هي فعل مقاومة أدبية وفلسفية، حيث يتشابك الحزن الشخصي لإيزاك المكتشف لهويته مع الحساب الجماعي لأمة تعرضت للإبادة.

الرواية محاولة لإحالة طعم العلقم إلى حبر، وتكثيف الغضب إلى رؤية فنية حادة. إنها رواية تفكيك، تهدف إلى الكشف عن مخططات تدميرية أكبر من مجرد صراع إقليمي، وتؤكد أن الخروج من هذا التيه يبدأ بلحظة اعتراف صادقة، لحظة لا يمكن لأي أحد أن يبلغ عمقها أو صدقها، لأنها تنبع من تجربة إنسانية خالصة، تجربة الاقتلاع والبحث عن وطن روحي وسط صقيع المنفى الأبدي. هي شهادة مكتوبة بدم وعي متأخر، وإقرار فني بأن واجب الوطن والمقدسات والدم أكبر من مجرد حبر على ورق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى