التشكيلي محمود شبر يستعير عنترة من الماضي ليمنحه روح الحاضر

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
في أجواء ثقافية هادئة تليق بتجربة فنية ناضجة افتُتح المعرض الشخصي للفنان الدكتور محمود شبر الموسوم عنترة في رحاب المعاصرة مساء يوم الإثنين الماضي في القاعة الكبرى لندوة الثقافة والعلوم بمدينة دبي. وكان الافتتاح حدثًا احتفاليًا ولقاءً معرفيًا غير معلن دخل فيه الجمهور إلى فضاء اللوحات مساحة حوار حي بين الذاكرة والراهن وبين الإرث الحضاري والرؤية التشكيلية المعاصرة.
وقالت الناقدة أميرة ناجي في قراءة خصت بها ” المراقب العراقي”:”منذ اللحظة الأولى بدا واضحًا أن المعرض لا يقدم أعمالًا منفصلة أو مشاهد متفرقة بل مشروعًا بصريًا متكاملًا يعيد قراءة الإرث العربي من الداخل لا باعتباره ماضيًا مكتملًا بل طاقة رمزية قابلة لإعادة التأويل. في لوحات عنترة وعبلة لا يستدعي الدكتور محمود شبر الحكاية الشعبية بصيغتها السردية المغلقة بل يحررها من زمنها ويحوّلها إلى رمز إنساني دائم”.
وأضافت: أن” عنترة هنا يتحول إلى صورة للصراع النبيل وسؤال مفتوح عن الهوية والانتماء والحب المؤجل بينما تتحول عبلة من شخصية حكائية إلى فكرة أخلاقية تمثل الحب قوة قادرة على الصمود أمام القسوة والحرمان أما حضور الدب الأحمر فقد شكّل مفارقة بصرية ذكية داخل بنية العمل إذ يدخل الرمز الطفولي إلى قلب الأسطورة لا ليكسر هيبتها بل ليكشف بعدها الإنساني العميق وهذا الرمز لا يعمل كعنصر تزييني بل كاستعارة للحب الهش والصادق ذلك الحب الذي يعيش خارج البلاغة المباشرة ويوازن صلابة الموروث ببراءة الشعور”وبهذا التداخل ينجح الفنان في ربط الماضي بالحاضر دون افتعال جاعلًا من الرمز المعاصر امتدادًا طبيعيًا للأسطورة لا نقيضًا لها “.
وتابعت :”فنيًا تتسم لوحات شبر بلغة لونية كثيفة تحمل أثر الذاكرة وتفتح في الوقت ذاته أفقًا تأويليًا واسعًا ، فالخطوط لا تؤدي وظيفة وصفية بل تنبض بإيقاع داخلي فيما تتجاور العناصر داخل اللوحة كإشارات ثقافية مشحونة بالمعنى هنا يتحول الفن إلى فعل تفكير وإلى مساحة تتقاطع فيها الفلسفة مع الحس والتأريخ مع التجربة الذاتية في بناء بصري متوازن بين العمق والشفافية “.
وأوضحت أن” المعرض قد ترك أثرًا واضحًا في الحضور ليس بما قدمه من أعمال فقط بل بما أثاره من أسئلة حول معنى استدعاء التراث اليوم وكيف يمكن للفن أن يحافظ على جذوره دون أن يفقد معاصرته. بهذا المعنى أسهم معرض الدكتور محمود شبر بإثراء المشهد الثقافي وربط الماضي بالحاضر كطاقة حية لا كأرشيف مغلق فجاء الإرث الحضاري حاضرًا والموروث الثقافي رمزًا باقيًا ودليلًا على ديمومة الفن وقدرته على عبور الزمن وتجدد معناه عبر التأريخ “.
وأشارت الى أن” هذا المعرض يأتي ضمن نشاطات جمعية الثقافة العلمية وندوة الثقافة والعلوم تأكيدًا على إيمان هذه المؤسسات بدور الفن في صيانة الذاكرة الثقافية وتجديد حضورها في الوعي المعاصر ودعم التجارب الفنية التي تفتح جسورًا حقيقية بين الإرث الحضاري والرؤية الإبداعية”.
وختمت بالقول:”بهذا الاكتمال لا يغادر المتلقي المعرض محمّلًا بالصور وحدها بل بالأسئلة وبإحساس أن الإرث حين يُقرأ بلغة معاصرة لا يشيخ بل يستيقظ من جديد”.



