لوحة “البادية” لفائق حسن.. لحظة زمنية مشحونة بالدراما والسكينة في آن واحد

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد والتشكيلي عاصم الربيعي أن لوحة “البادية” للفنان فائق حسن هي واحدة من أهم لوحاته التي تمثل تجسيداً حياً لجوهر الهوية العراقية، حيث يلتقي التراب بالأفق في لحظة زمنية مشحونة بالدراما والسكينة في آن واحد، وتعتمد على تكوين بصري مدهش يزاوج بين الثقل والانفتاح المكاني.
وقال الربيعي في قراءة خص بها ” المراقب العراقي “:إن” هذه لوحة”البادية” تُعد واحدة من الأعمال النادرة للفنان الراحل فائق حسن, إذ اكتُشفت حديثاً وثُبّتت أصالتها من قِبل مؤسسة فائق حسن للفنون التشكيلية، وبشهادة الخبير الفني الدكتور إياد الشيباني، استناداً إلى دراسة علمية وفنية وافية ومعمقة وتُعد اللوحة حالياً جزءاً من المقتنيات الخاصة الثمينة لإحدى العائلات العراقية “.
وأضاف:إن “اللوحة تمثل تجسيداً حياً لجوهر الهوية العراقية، حيث يلتقي التراب بالأفق في لحظة زمنية مشحونة بالدراما والسكينة في آن واحد. ومن خلال ضربات ريشة متمردة وألوان تنبض بالحياة، يبحر بنا فائق حسن في رحلة إلى قلب البادية؛ ليس لتوثيق مشهد عابر فحسب، بل لنقل “روح” الصحراء وشموخ كائناتها التي تتسم بالقوة وتحمل الظروف الجوية الصعبة في الصيف والشتاء “.
وتابع :إن”اللوحة في مشهدها العام تعتمد على تكوين بصري مدهش يزاوج بين الثقل والانفتاح المكاني حيث تحتل الإبل (الجمال) ورعاتها صدارة المشهد ككتل لونية داكنة وقوية توحي بالرزانة والجلد، بينما يمتد الأفق خلفها في حالة من السيولة اللونية الشاعرية وهذا التضاد بين الكتل الصماء في المقدمة والمدى المفتوح في الخلفية يمنح المشهد عمقاً فلسفياً، وكأن الفنان يؤكد ثبات الإنسان والحيوان أمام اتساع الطبيعة وقسوتها”.
وأشار إلى أن” الروح التعبيرية ما وراء الواقعية بالرغم من وضوح العناصر (رجال، إبل، خيام)، إلا أن الفنان لم يسعَ خلف المحاكاة الفوتوغرافية، بل برزت هنا المدرسة التعبيرية الانطباعية التي أتقنها فائق حسن؛ حيث تتلاشى التفاصيل الدقيقة لصالح الإحساس الكلي. إن ضربات الفرشاة السريعة والواضحة تمنح اللوحة طاقة حركية تجعل المُشاهد يستشعر رياح الصحراء واهتزاز الأجسام، مما يحيل السطح التصويري إلى كائن حي يتنفس”.
وواصل:”وكما ذكر الناقد نزار سليم في كتابه “الفن العراقي المعاصر”، واصفاً اتجاهات فائق حسن نحو التبسيط والحداثة “إن تجربة فائق حسن في الخمسينيات والستينيات تحولت نحو النظرة التبسيطية, حيث شرع في تطبيق أساليب حديثة (تعبيرية وتجريدية) على مواضيعه المحلية، مختزلاً التفاصيل لصالح الجوهر اللوني والحركي”، وهو ما يتجلى بوضوح في مواضيع الخيول والإبل والبادية في هذة اللوحة”.
وأوضح أن”الألوان الترابية الدافئة (البني المحمر، والمُغرة) تهيمن على الأرضية والجمال، وهي ألوان الأرض والترحال وتتجلى العبقرية اللونية في السماء حيث يتداخل الأزرق الكوبالتي مع تدرجات الأصفر الشاحب والبرتقالي، محاكياً لحظة الغروب. هذا التباين اللوني يخلق صراعاً بصرياً يمنح العمل طابعاً درامياً”.
وبيَّنَ أن”هذه اللوحة لا يمكن قراءتها بمعزل عن مشروع فائق حسن الفني الذي سعى عبره لتأصيل الفن العراقي. فالإبل هنا ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي رموز للصبر والأنفة، والبدوي الجالس في أسفل اللوحة يمثل الارتباط الجذري بالأرض”.



