اخر الأخبارثقافية

لوحات تمارا الشبخون.. حكاية اللون والذاكرة في فضاء التكوين الإنساني

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

ترى الناقدة والفنانة التشكيلية أميرة ناجي أن اللون لدى تمارا الشبخون كفضاء وجودي تلتقي فيه الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية.

وقالت في قراءة خصت بها ” المراقب العراقي ” :إن “بول كلي يقول إن اللون هو المكان الذي يلتقي فيه عقلنا بالكون وتفتح هذه المقولة أفقا تأويليا يتقاطع بعمق مع تجربة الفنانة تمارا الشبخون حيث لا يتعامل اللون في أعمالها كقيمة جمالية مستقلة بل كفضاء وجودي تلتقي فيه الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية وتتشابك فيه الذات الأنثوية مع تأريخها الروحي والإنساني، فالفن عندها فعل وعي يعيد بناء العلاقة بين الإنسان وداخله ويمنح اللون وظيفة تتجاوز التزيين لتغدو أداة كشف وتأمل”.

وأضافت :”في فضاء تشكيلي يتقاطع فيه الحلم مع الواقع والرمز مع الوجدان تقف تمارا الشبخون صوتا بصريا يمتلك فرادته وسردا تشكيليا ينبض بهوية أنثوية واعية لجذورها ولحاضرها معًا ،في أعمالها يتجسد الإنسان محورا للرؤية ومركزا للتعبير لا كهيأة جسدية بل كجوهر تختزن ملامحه الحنين والانتظار وذاكرة المرأة الشرقية التي تحمل إرث الأرض وتنهض من رماد الألم نحو الضوء”.

وتابعت :”تعيد تمارا تركيب العالم على مسطح اللوحة عبر هندسة لونية دقيقة تتداخل فيها المساحات المربعة والمستطيلة لتمنح التكوين طابعا معماريا يقوم على النظام والتناغم والرمز في آن واحد فالأشكال الهندسية هي أساس استعارة لبنية الحياة بما تحمله من انتظام خفي واختلال محتمل ومن توازن وتوتر متلازمين”

وأوضحت :”أن في أعمالها تخرج الوجوه الساكنة من عمق الألوان كأنها تنبع من جدار الذاكرة وتتكرر ملامح الأنثى بحضور أيقوني تحمل في عينيها غيابا وصمتا ناطقا هذه الوجوه ليست بورتريهات فردية بل تمثيلات رمزية للمرأة في بعدها الجمعي المرأة التي تختزن الأرض والبيت والرحيل وتغدو شاهدة على تحولات هوية المكان”.

وأشارت الى أن”اللون عند تمارا الشبخون يتحول إلى لغة روحية الأزرق فضاء للروح والبنفسجي حزن نبيل مقيم في الذاكرة بينما تتناثر بقع الأحمر والأصفر والأخضر كنبض حياة يقاوم الخمود تتحرك الألوان بإيقاع بصري يشبه موسيقى داخلية تدركها العين قبل الأذن، فاللون معادل شعوري يوازي الكلمة في التعبير عن الفقد والنهوض والحنين”.

وبينت :أن” المرأة تلتقي بالمدينة في لوحاتها ويتداخل الجسد مع المعمار حتى يغدو كيانا واحدا ،فالمدينة في خلفيات اللوحات ليست مكانا عاديا بل ذاكرة حضارية متجذرة نوافذها وأبوابها وأقواسها تفتح على الماضي والحاضر معا وتمنح العمل بعدا بينيا يجمع التراث بالحداثة لتتحول البنية التشكيلية إلى نص بصري يقرأ الواقع عبر رموزه لا عبر وصف مباشر”.

ولفتت الى أن “تمارا الشبخون تحتفي بالأنوثة كقيمة إنسانية كونية لا كموضوع جمالي المرأة في أعمالها تحمل سلالا وأواني ومناجل وأهلَّة وهي رموز للعطاء والعمل والانتماء إلى دورة الطبيعة والخصب وتتجاور هذه المفردات في توازن بصري محكم يؤكد أن الفن عندها إعادة صياغة للواقع بلغة الروح ومن الناحية التقنية تبرز قدرتها على إدارة الفراغ والمساحة اللونية بعين واعية للعلاقات البصرية الدقيقة إذ توظف الخطوط السميكة لتحديد الأشكال وكأنها تبني جدار حماية حول الشخصيات بينما تترك للألوان الداخلية حرية التعبير عن هشاشتها الإنسانية ويولد هذا التناقض بين الصلابة الخارجية واللين الداخلي بعدا دراميا خفيا يلامس المتلقي بهدوء”.

وواصلت : أن” أعمالها تتسم بنزعة تجريدية قريبة من التعبيرية الرمزية حيث يتحول الشكل إلى وسيلة لتوليد المعنى وتغدو اللوحة تجربة معاشة لا مشهدا مرئيا ومن خلال هذا الوعي تؤكد تمارا أن الفن فعل وجودي يعيد للإنسان صلته بجذره الأول”.

ومضت الى القول أن “في لوحة النساء الحاملات للأواني على رؤوسهن يختصر التكوين سردية الحياة الريفية ويحولها إلى طقس إنساني مهيب وفي لوحة المرأة المنحنية قرب القمر والمناجل يتجلى البعد الوجداني كصلاة صامتة أمام فكرة الخصب والانتظار، أما ظهور وجه الرجل كطيف من الماضي فيعيد قراءة الذاكرة الجمعية لعلاقة الإنسان بالمكان ويجعل الوجوه شواهد على تأريخ يروى بالألوان”.

وأكدت: أن”تمارا الشبخون تمتلك حسا سرديا متماسكا يجعل من كل لوحة فصلا من رواية بصرية واحدة تتنقل فيها الشخصيات والألوان والرموز كأجزاء من حلم متواصل ويمنح هذا الترابط مشروعها الفني وحدة فكرية وجمالية ويكشف عن وعي نقدي للفن كفعل ثقافي لا يفهم إلا عبر تجربتها الخاصة”.

وخلصت إلى القول إن” خصوصية أسلوبها تتجلى في قدرتها على توظيف التراث البصري العربي بمفردات معاصرة دون أن تفقد اللوحة روحها الأصيلة فهي تستلهم الأقواس والمنازل التقليدية وتدمجها ضمن بناء حداثي تجريدي يمنح العمل طابعا عالميا وبذلك تجسد مفهوم الفن كجسر بين الذاكرة والمستقبل بين ما كان وما سيكون”.

وأكملت” في الختام لا يمكن النظر إلى تمارا الشبخون كفنانة تشكيلية بل كراوية بلغة اللون ومؤرخة لوجدان المرأة العربية عبر الضوء والخط والظل، أعمالها تذكرنا بأن الفن ليس مرآة للواقع بل حلما يصنع واقعه الخاص وحين نتأمل لوحاتها نشعر أن كل لون يهمس بحكاية لم تُروَ بعدُ، حكاية امرأة تحمل العالم في قلبها وترسمه من جديد كما تتخيله لا كما تراه”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى