الزهراء عليها السلام محور بيت الرسالة

السيد محمد تقي المدرسي..
من المؤكد أنّ الله تبارك وتعالى قد خلق الخلق برحمته ، وأنّ رحمة الله هي الغاية والهدف الذي تتكامل عنده معالم الخلق . فيا ترى ما هذه الرحمة؟ وأين هي ؟ وكيف تجلت ؟ .
حينما أراد الله جلّ وعلا أن يزيح الظلمات عن الأرض خلق شمساً مضيئة وقمراً منيراً وحينما أراد أن يسقينا ماءً خلق السحاب وجعلها وسيلة لذلك وحينما أراد أن يُرسي الأرض على قواعدها خلق الجبال والمقصود مما تقدم ؛ أن ربنا سبحانه حينما يريد شيئاً فهو يهيئ أسبابه ، فما هي أسباب ووسائل الرحمة ؟ وأين هي ؟.
وبصراحة مطلقة أقول إن أسباب الرحمة هي محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ، إذ إن الله لما أراد أن يرحم العباد شاء أن تتجلى فيهم رحمته ، فخلق أنواراً جعلها بعرشه محدقة ؛ تسبّح وتهلّل وتكبّر ، ثم خلق من هذه الأنوار السماوات والأرض والملائكة ، وهلّلت الأنوار فهلّل معها كل شيء ، وسبّحت فسبح معها كل شيء ، وخلق الله الجنة من الأنوار المحيطة بالعرش ، فجعلها الله وسيلة رحمته ، وكما قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : ” إنما أنا رحمة مهداة ” وعليه فلا فرق لدينا في أن يقول القائل : اللهم ارحمني برحمتك ، أو : اللهم ارحمني بمحمد وآل محمد ، فالنبي وآله هم رحمة الله وهدف الخلق .
فاطمة الزهراء عليها السلام هي المحور
جـاء في سورة النور المباركة : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ( ففي هذه البيوت يتجلى نور الله ، وعبارة ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أوضح من أن يضاف إليها شرح أو تفصيل ، إذ هي إشارة مباشرة الى عظمة القرار الإلهي النابع من علمه القديم وإرادته القاهرة .
ولكن ما هي هذه البيوت، وما محورها ومركز ثقلها ؟ فهل هي بيوت من ذهب أم رخام ؟ وهل هي قصور أم أكواخ ؟
إن المقصود من هذه العبارة المقدسة هو الأُسر ، والبيت صفة رمزية للأسرة ، كما يقول القائل : بيت العالم الفلاني ويرمز الى عائلته . فبيت الرسالة ومهبط الوحي هو عائلة الرسالة ومركز الإشعاع ومنطلق النور الإلهي .
إما ما محور هذا البيت ، هل هو النبي او الإمام علي او السبطان؟ إن محور بيت النور هو فاطمة الزهراء سلام الله عليها . فالعلاقة الظاهرية بين جميع أفراد أهل البيت عليهم السلام تلتقي عند الزهراء ، أما العلاقة الباطنية ـ وحسب شهادة القرآن الكريم ـ فالنبي وأمير المؤمنين نفس واحدة ، وعلى أي حال فإن التصور الأكبر هو أن آية ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يتجلى فضلها في حق فاطمة الزهراء عليها السلام.
وأعود إلى القول إن الله تبارك وتعالى حينما أراد بمشيئته القاهرة أن يرحم العباد خلق نور النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه ، وانقسم هذا النور ـ كما تؤكد الروايات ـ إلى ثلاثة أقسام ؛ قسم خلق الله منه النبي نفسه ، وقسم خلق منه فاطمة الزهراء ، وقسم خلق منه أمير المؤمنين وذريته الأئمة المعصومين .
وبسبب هذا النور نرى الجبال راسيات والشمس مضيئة والقمر منيراً ، ولولا بركة محمد وآله لساخت الأرض بأهلها ، فهم أبواب الرحمة الإلهية .
إنهم عباد مكرمون
إن الله سبحانه وتعالى حينما يستعرض من خلال القرآن واقعاً معيناً أو قصة تأريخية إنما يريد أن يذكرنا بعبرتها ، ولعل العبرة من الآيات المتلوة هي منع الناس دون أن يُخيّلوا لأنفسهم بأن النبي وأهل بيته لهم ذاتية ، أو كونهم آلهة صغار ـ والعياذ بالله ـ . فهم بدورهم يسبحون الله أكثر من غيرهم ، واذا كان الجهل والغفلة أمرين طبيعيين في الإنسان ، فإن الله بعد الإشارة إلى عظمة هذه البيوت وأوحديتها في التأريخ يعطف عليها بقوله المجيد : ﴿ … وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ ﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾.
نبينا هو نبي الرحمة ، وأميرنا قسيم الجنة والنار، وسيدة نساء العالمين شفيعة الأمة ، ولكنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ، خوفاً يدفع بهم إلى الطاعة المطلقة ، والابتعاد عن الذنوب . وهذا الإحساس بالخوف والعصمة المتكرسة لديهم هو الأمر المتناسب تماماً مع ما سيجزيهم الله من حسن الثواب وما سيزيدهم من رزقه غير النافذ أبدا.
أما الذين لا نور لهم ، فلا يمكن أن يكون لهم من الحظ شيئاً ، قال الله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾ وفي ذلك إشارة واضحة إلى أهمية انتباه المسلم وضرورة محاولته الحصول على النور من مصدره الحقيقي والصحيح ، وهو مدرسة أهل البيت عليهم السلام . ولذة الحصول على النور ما بعدها لذة ولا أروع منها ، إذ هي منتهى الرغبات وغاية الغايات .
مسؤوليتنا تجاه أهل بيت الرسالة
ويطفو إلى السطح سؤال ملح جداً ؛ والإجابة عنه على درجة بالغة من الخطورة : ما هي مسؤوليتنا تجاه هذا النور والرحمة الإلهية وأهل بيت الرسالة؟ وبعد مزيد من التفحص يبدو أن الإجابة تكمن عبر تأدية ثلاث مسؤوليات جسام ، ومن دون أداء هذه المسؤوليات لن ينفع الإنسان ما يعمل ، نظرا لأنه سيعمل دون عقيدة صحيحة أو قلب سليم .
المسؤولية الأولى: التسليم بحق ومنزلة أهل البيت عليهم السلام ، وهذا يستدعي تطهير نفوسنا من أمراض الضغينة والحسد والكبر . إن البعض من المسلمين يحاول برأيه الشخصي الصادر عن غير تفكر وإخلاص وحسن نية ، بل يسعى البعض الى تجيير وقولبة العقيدة الإسلامية ، ولو في الأصول المتفق عليها ـ حسب ما تمليه عليه رغباته ومصالحه وما وجد عليه آباءه ـ والأخطر من ذلك وأدهى أن البعض يحشر نفسه في صف الموالين لفاطمة الزهراء وأهل البيت ويحاول بطريقة أو أخرى أن يحذف أو يختصر بعض الأحاديث مداهنة لأعداء الدين ، أو جهلاً بعلم الحديث والتفسير ، فضلاً عن عدم إلمامه بفصول اللغة والبلاغة التي هي العنوان الأول في شكل وصورة الروايات.
ربنا سبحانه وتعالى يؤكد : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ فالاعتقاد السليم هو الأساس في العمل الصالح ، ومن دونه سيكون العمل مهما كانت صورته صالحة وجميلة سراباً لا حقيقة له ، بل الباطل والانحراف والخيال هو الأساس في خداع الإنسان وإضلاله ، حتى يفاجأ بمصيره المحتوم ، إذ يلقى الله من دون أي رصيد حقيقي صالح .
وما أتعس الإنسان وأحقر به أن يستمر في حياته على أساس كذبة تأريخية كبرى تؤدي به في نهاية المطاف إلى السقوط في مهاوي جهنم وبئس المصير . . فأنْ يمشي المرء بطيئاً ويصل إلى هدفه في الآخرة ، خير من أن يسابق الريح والزمن ولكنه يسير في الانحراف ولا يصل إلا إلى ما يكره ، وكما تقول الرواية الشريفة عن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام جميعاً قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : عليكم بسنة ، فعمل قليل في سنة خير من عمل كثير على بدعة .
المسؤولية الثانية : لكي لا يكون ولاؤنا وارتباطنا بأهل البيت ، وبالأخص منهم سيدة نساء العالمين ولاءً وارتباطاً هامشياً أو مجرد حلم ، لابد أن نعي مقامها وحقها ودورها في العقيدة الإسلامية ، فإنه لا يكفي مجرد معرفة أنها بنت الرسول او زوجة الوصي او أم الأئمة ؛ فالمعرفة الواقعية بفضل فاطمة الزهراء وبقية آل الرسول هي العامل المكرّس للتسليم بأمرهم .
المسؤولية الثالثة : الاتباع والاقتداء بسيرة فاطمة الزهراء عليها السلام . فنحن اذا نظرنا الى تفاصيل ملحمة مطالبتها بفدك نظرة واعية فستكون أمامنا من الدروس والعبر ما لا حصر لها . فهي أولاً لم تتقاعس عن مطالبتها بحقها او استعراض مظلوميتها ، رغم أن الظروف الاجتماعية والسياسية والصحية التي ألمَّتْ بها كانت صعبة للغاية .
وهي في طريقها إلى المسجد لمباهلة الخليفة الأول التزمت ـ بما للكلمة من معنى ـ بشروط العفّة والشرف ، وضربت بذلك أروع مثال لجميع نساء العالم .
ومهما يكن فإن سورة النور التي ترسم صورة الأسرة المسلمة الفاضلة ، وتحدد نوعية العلاقة بين الزوجة أو الأم ببقية أفراد العائلة ، إنما هي تبين فضيلة فاطمة الزهراء سلام الله عليها . ولا يخفى أن فاطمة الزهراء سلام الله عليها كانت المحور لأسرة آل الرسول ، فهي البنت والزوجة والأم لخير خلق الله .
كما أن علاقة هذه الحوراء الإنسية بالنساء وتأثيرها الإيجابي عليهن كان قمة في الأداء والروعة . فهي كانت تحدثهن حول الفضيلة والعلم ومنزلة العلماء ، حتى تزيل الحواجز بينها وبينهن فيستزدن منها المعرفة والإجابات التفصيلية على كل ما يشكل عندهن .
ولا يغيب عنا ؛ أننا اذا سمعنا قول الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فذلك يعني ؛ كما لكم في رسول الله أسوة حسنة ، كذلك في فاطمة وبعلها وبنيها ، لآنهم كلهم نور واحد . وعليه يجب أن نتأسى بهم ، ونتبع خطاهم ، ونقتدي بهديهم . . وبذلك نحاول أن نتمثل أشخاصهم وسلوكهم في حياتنا ، لأن سلوكهم وسيرتهم وكلامهم حجة علينا.
هكذا تجلت الرحمة الإلهية في شخصية فاطمة الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها عليهم صلوات الله أجمعين . غير أن ما يؤسف عليه أن المسلمين لم يؤدوا حق هذه الرحمة ، إلى درجة أن بعض أهل العلم ؛ بعض الكتّاب ؛ بعض الخطباء . . راح يشيع أن المصائب التي جرت على أهل بيت الرسالة والتي تذكرها كتب التأريخ والتي يرويها الخطباء ويحررهـا الكتّاب ، إنما هي مُبالَغ فيها . فحسب قول أحدهم : هل من المعقول أن يأتي من يجمع الحطب على باب بيت فاطمة عليها السلام ويضرم فيه النار ؟ هل من المعقول أن يفتحوا باب بيت فاطمة عليها السلام عنوة ويعصروها خلف الباب ؟ هل من المعقول أنهم بفعلهم هذا أسقطوا جنينهـا ؟ هل من المعقول أنهم تجرأوا على ضرب فاطمة عليها السلام على مرأى من المسلمين؟.
لماذا نستبعد ذلك ، وقد نشاهد بأم أعيننا اليوم أعداء أهل البيت كيف عمدوا إلى هدم قبورهم في المدينة المنورة ، وكيف يحجبون الناس عن مرقد النبي صلى الله عليه وآله ويمنعون الناس من الدنو من مراقد الأئمة المعصومين في البقيع؟
وبصراحة أقول إن ما ذكره المؤرخون لنا من مظلومية أهل البيت عليهم السلام ، وما جرى عليهم من اضطهاد ليس إلاّ نزر يسير ، وما أخفوه أكثر من ذلك وأعظم بكثير وذلك خشية سطوة الطغاة الحاكمين، وطمعاً بالدنيا وملذاتها.
وعلى هذا يجب أن نحذر الوساوس الشيطانية، وأن نجعل مظلومية هذه السيدة الجليلة الزهراء البتول وأهل بيت العصمة عليهم السلام ـ سواء في الماضي أو في الحاضر ـ منطلقاً إلى التمسك بخطها الإسلامي الأصيل وجعلها نبراساً لإيماننا وميزاناً دقيقاً لعقيدتنا.



