كيف نبني عقلًا يفكر بحكمة ويعمل بصدق؟

صباح الصافي..
بناء العقل مشروعٌ إنسانيٌّ رفيع، يُعيد ترتيب علاقة الإنسان بربِّه (تبارك وتعالى)، وبذاته، وبالنَّاس من حوله.
فالعقل هو الجذر الذي تنبثق منه الشَّخصيَّة النَّاجحة، وهو المنارة التي تهدي الفكر إلى رشده، والسُّلوك إلى اعتداله، والحياة إلى توازنها. وهو الذي يمنح الفكر مساره المنظَّم، ويحوّل المعرفة إلى وعيٍ يوجّه الحياة نحو التَّوازن والنِّظام. ومن دون وعيٍ بحدود العقل وطاقاته، يبقى الإنسان أسير التَّجربة المجرَّدة، عاجزًا عن بلوغ العمق الفكري الذي يُثمر البصيرةً النَّافذة والعمل الصَّالح.
إنَّ التَّفكير السَّليم ينشأ من وعيٍ باللحظة المناسبة للتَّفكير، ومن نظرةٍ شموليةٍ تربط بين أجزاء الحياة، ومن قدرة على تحويل العلم إلى عملٍ نافعٍ، ثمَّ من عدلٍ في التَّعامل مع النَّاس بحسب مراتبهم ودرجات عقولهم. وهكذا يتدرَّج الإنسان في بناء عقله كما تتفتح البصائر في مدارج النُّور، خطوةً بعد خطوة، من اليقظة إلى الحكمة، حيث يصفو الفكر وتستنير الرُّؤية.
وهذا المقال محاولة لتتبّع تلك المراتب الفكريَّة والعمليَّة، وفهم الكيفيَّة التي يستطيع بها الإنسان أن يحقِّق توازنه، فيجمع بين العلم والبصيرة، وبين الفكرة والعمل، وبين العقل والوجدان، ليغدو نموذجًا للإدراك المتكامل الذي تحتاجه الإنسانيَّة في عصرٍ تتسارع فيه التَّحدِّيات.
1- الوقت المناسب للتَّفكير:
التَّفكير مهارة إنسانيّة جوهريَّة تشكِّل أساس وعي الإنسان وتميزه عن غيره من المخلوقات. وقدرة الفرد على التَّفكير بوضوح تختلف من شخص لآخر حسب طبيعة عقله ووقته وحالته النَّفسية والجسديَّة. لذا، من الضَّروري لكلِّ رجلٍ وامرأة، شاب وفتاة، أن يكتشفوا الوقت والظُّروف التي يزدهر فيها تفكيرهم لتحقيق أقصى درجات التَّركيز والإنتاجيَّة.
نحن كبشر نعتمد على التَّفكير في اتِّخاذ قراراتنا، وتوجيه حياتنا، وبناء خططنا للمستقبل. وعلى الرَّغم من أهميَّة التَّفكير، لا يوجد وقت واحد يناسب الجميع لممارسته؛ فبعض الأشخاص يستطيع التَّفكير بوضوح طوال اليوم، بينما يزدهر تفكير آخرين في أوقات محدَّدة فقط. ومن هنا تبرز ضرورة اكتشاف الوقت الذي يكون فيه التَّركيز وصفاء الذِّهن في أقصى درجاته؛ إذ يُعد ذلك خطوة أساسيَّة نحو التَّفكير الفعَّال والنَّاجح. فالعواملُ التي تؤثِّر على قدرتِنا على التَّفكير بوضوح تختلف من شخص لآخر، بناءً على نمطِ حياتِهم، ونوعيتِهم الذِّهنية، وبيئتِهم المحيطة؛ فالفترةُ الصَّباحية فترة ذهبيَّة لأولئكَ الذينَ يحتاجونَ إلى التَّفكير في أمور تتطلَّبُ التَّخطيط والتَّنظيم أو التَّفكير الإبداعي، فهو يتزامنُ مع قلَّة المشتتات المحيطة، بينما هناك من يجد في الليلِ وقتًا مثاليًا للتَّفكير؛ إذ يكون العالم المحيط أكثرَ هدوءًا، ممَّا يمنحهم فرصةً للتَّأمل واستكشاف الأفكار من دون ضغوط الوقت أو المقاطعات المتكررة.
في المقابلِ، قد يكتشفُ بعضُ الأشخاص، أنَّ فترةَ الظَّهيرة أو ما بعد الغداء هي الأنسب لهم للتَّفكير؛ ففي هذه الأوقات، يكونُ الشَّخصُ قد أكملَ بعضَ مهامه الصَّباحية، كما أنَّ هذا الوقت يتميَّز بتوازن بين النَّشاط البدني والذِّهني، ممَّا يجعله مثاليًا للتَّفكير في أمور عمليَّةٍ أو إدارية تتطلَّب تركيزًا وإنتاجيَّة.
2- النَّظْرَةُ الشُّمُولِيَّةُ:
إنَّ النَّظر إلى الحياة بشكل تجزيئي بأن يتعاملَ الإنسانُ مع كلِّ جزءٍ من الحياةِ كأنَّه كيان مستقل عن سائر الجوانب، يمكن أن يقيَّدَ إمكانياتِ الفردِ ويحدَّ من إمكانيته على تحقيقِ الأهداف التي يريد تحقيقها. وفي المقابل تُقدِّم النَّظرةُ الشُّموليَّة، فهمًا متكاملًا يسمحُ للأفرادِ بربطِ أجزاءِ حياتِهم المختلفةِ وتحقيقِ توازن حقيقي في مختلفِ جوانب وجودِهم.
مثلاً: قد يركِّز الفردُ على إدارةِ أموالِهِ بشكلٍ يومي من دون أن يضعَ في اعتباره كيف يمكن أن تؤثِّر قراراتهُ الماليةُ على مستقبله، وقد يستثمرُ أموالَه في أمور آنية بلا تفكير في كيفيَّةِ توظيفِها لتحقيقِ أهداف طويلةِ الأمد؛ مثل تحقيق الاستقرار المالي أو التَّوسع في المشاريع المستقبليَّة، وهذا النَّهج يمكن أن يؤدِّي إلى قرارات غير متكاملة تفتقرُ إلى الرُّؤية الاستراتيجيَّة.
على نحو مماثل، عندما يختارُ الإنسانُ أصدقاءه، فإنَّ النَّظرةَ التَّجزيئيةَ قد تدفعه لاختيار الأشخاص، بناءً على معايير سطحيَّة، مثل المرح أو المزاح، من دون النَّظر إلى كيفيةِ تأثيرِ هؤلاءِ الأصدقاء على عقائدهِ وأخلاقهِ، وقد أظهرت الرِّوايات الشَّريفة الأخطار التي تنتج من الصَّداقات السَّلبية؛ قَالَ رَسُولُ الله (صلَّى الله عليه وآله): “الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ”، وعن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: “لَا تَصْحَبُوا أَهْلَ الْبِدَعِ وَلَا تُجَالِسُوهُمْ فَتَصِيرُوا عِنْدَ النَّاسِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ”.
قد يتجاهلُ الفردُ أهميةَ وجودِ أصدقاء يعينونه على طاعةِ الله (تعالى) ويشاركونه في بناء الذَّات والعقل؛ بينما النَّظرة الشُّمولية تأخذُ في اعتبارها تأثيرَ الأصدقاء على مسار الحياة بشكل عام، وتسعى إلى بناءِ شبكة من العلاقات التي تعززُ القيمَ والأهدافَ الشَّخصيَّة.
3- اِقْتِرَانُ العِلْمِ بِالْعَمَلِ:
حين يلتقي العلم بالعمل، ينبثق تآزر فريد يُنمي عقل الإنسان ويحفّز طاقاته على التَّفكير والإبداع، فبناء العقل وتطويره لا يكتمل بمجرَّد جمع المعرفة النَّظريَّة؛ وإنَّما يتحقق من خلال تحويل هذه المعرفة إلى تطبيق عملي؛ إذ أنَّ العقل ينضج ويتطور حين يُترجم العلم إلى فعل وتجربة، ويتطور باستخدامِ العملياتِ التَّطبيقيةِ التي تُمكِّن الأفراد من تحويلِ المعرفةِ النَّظريةِ إلى حلول عملية وقرارات فعَّالة، ممَّا يسمحُ بتعميقِ الفهم وربطِ الأفكارِ بمواقف واقعيَّة، ومن ثمَّ فإنَّ التَّفاعل مع التَّجارب العمليَّة عامل محوري في القدرات المعرفيَّة، حيث تُختبر الأفكارُ والنَّظريات في سياقات حقيقيَّة، ممَّا يوصلُ إلى تعديل الفهم أو السُلوك بما يتناسب مع الواقع. ولتوضيح هذا المعنى أكثر، دعونا نستعرض هذا المثال الواقعي:
سرُّ الاهتداء بالحكمة
عن الإمامِ موسى الكاظم (عليه السلام): “يَا هِشَامُ إِنَّ كُلَّ النَّاسِ يُبْصِرُ النُّجُومَ وَلَكِنْ لَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ مَجَارِيَهَا وَمَنَازِلَهَا وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ تَدْرُسُونَ الْحِكْمَةَ وَلَكِنْ لَا يَهْتَدِي بِهَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ عَمِلَ بِهَا، يَا هِشَامُ إِنَّ الْمَسِيحَ (عليه السلام) قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ:… بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ النَّاسَ فِي الْحِكْمَةِ رَجُلَانِ، فَرَجُلٌ أَتْقَنَهَا بِقَوْلِهِ وَصَدَّقَهَا بِفِعْلِهِ، وَرَجُلٌ أَتْقَنَهَا بِقَوْلِهِ وَضَيَّعَهَا بِسُوءِ فِعْلِهِ، فَشَتَّانَ بَيْنَهُمَا، فَطُوبَى لِلْعُلَمَاءِ بِالْفِعْلِ وَوَيْلٌ لِلْعُلَمَاءِ بِالْقَوْلِ…”.
هذا المثال يوضح بجلاء، أنَّ العلم وحده لا يكفي لبناء عقلٍ متكامل؛ فدراسة الحكمة والمعرفة من دون تطبيقها، لا تقود إلى الفهم العميق أو القدرة على اتِّخاذ القرارات الصَّائبة، فكما أشارت كلمات الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، هناك فرق كبير بين من يكتفي بالقول ويهمل التَّطبيق، وبين من يجمع بين المعرفة والعمل؛ إذ تتحقق القدرة على التَّفكير الإبداعي عند من يطبِّق علمه في حياته العمليَّة.



