اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الفساد يتغول في مؤسسات الدولة وشعار محاربته تبدده رياح النسيان

هدر وسرقة مليارات الدولارات


المراقب العراقي / أحمد سعدون..
مع اقتراب انتهاء عمر الحكومة الحالية، تتبدد آمال العراقيين في وعود محاربة الفساد التي كانت من أبرز الشعارات المرفوعة في بداية تشكيلها، فبعد سلسلة من القضايا التي هزت الرأي العام مع بداية تشكيل الحكومة الحالية، وفي مقدمتها ما عُرف بـ”سرقة القرن” المتعلقة بالأمانات الضريبية، بات الفساد ظاهرة متجذرة في مفاصل الدولة العراقية، تتجاوز حدود الأفراد لتتحول إلى منظومة متكاملة تتغذى على ضعف الرقابة وتراخي الأجهزة التنفيذية.
تُعد قضية الأمانات الضريبية مثالًا صارخًا على عمق الفساد الذي يعانيه البلد، إذ كشفت التحقيقات عن شبكة واسعة من المسؤولين والموظفين والمتعاونين الذين نهبوا أموال الدولة بطرق قانونية الشكل لكنها فاسدة المضمون، وعلى الرغم من الضجة الكبيرة التي اُثيرت حول القضية، والوعود الحكومية بملاحقة المتورطين واستعادة الأموال المنهوبة، إلا أن نتائج ملموسة على الأرض لم تتحقق بالشكل الذي يُرضي الشارع العراقي، ما زاد من مشاعر الإحباط وانعدام الثقة بين المواطن والحكومة.
ويؤكد مراقبون أن الفساد لم يعد يقتصر على المؤسسات الكبرى أو الصفقات الضخمة، بل تسلل إلى أدق تفاصيل الحياة الإدارية والخدمية، حتى أصبح المواطن يتعامل معه كأمر طبيعي لا مفر منه، فالرشوة باتت وسيلة لتسيير المعاملات، والمحسوبية صارت طريقاً مختصراً للحصول على الوظائف والعقود، مبينين أن هذه الحالة صارت تمثل خطراً وجودياً على الدولة، لأنها أفقدت الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وأضعفت روح الانتماء الوطني، وفتحت الأبواب أمام مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
فيما يرى خبراء في الشأن العام أن الحكومة الحالية، رغم ما أطلقته من مبادرات لمحاربة الفساد، لم تنجح في تقديم نموذج حقيقي للشفافية والمساءلة، فالمؤسسات الرقابية، سواء كانت ديوان الرقابة المالية أو اللجان البرلمانية، تعاني ضعفَ الأدوات القانونية وقلة الاستقلالية، مما يجعلها عاجزة عن ملاحقة الكبار ومكتفية بملفات صغيرة تطفو على السطح من حين إلى آخر لإيهام الرأي العام بوجود إجراءات حقيقية.
وفي الشأن ذاته أكد المهتم بالشأن السياسي والاقتصادي قاسم بلشان في حديث لـ”المراقب العراقي” ، أن” مشكلة الفساد في العراق أصبحت بنيوية وليست طارئة، بسبب المحاصصة وتوزيع المناصب بين الأحزاب، ما يجعل عملية الإصلاح شبه مستحيلة في ظل تداخل المصالح وتشابك الولاءات”.
وأضاف ، أنه “رغم إعلان الحكومة أكثر من مرة نيتها فتح الملفات القديمة واسترداد الأموال المهربة، إلا أن غياب الإرادة السياسية الحقيقية أفرغ هذه الوعود من مضمونها، مؤكدا أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من هروب رؤوس الأموال، وتراجع الخدمات، وتعطيل مشاريع التنمية”.
وبين بلشان أن” الفساد لا يستهلك المال العام فحسب، بل يهدد الاقتصاد العراقي، ويقضي على فرص الإصلاح، ويحول أي مشروع حكومي إلى فرصة جديدة للنهب تحت عناوين براقة”.
ومع قرب انتهاء دورة الحكومة، يرى مراقبون أن الشعب العراقي لم يلمس بعدُ أي خطوة حقيقية نحو بناء منظومة نزاهة فاعلة أو محاسبة عادلة، فالشعارات لم تعد تقنع أحدًا، والمجتمع بات يدرك أن محاربة الفساد ليست قضية بيانات إعلامية، بل تتطلب إرادة سياسية شجاعة وقرارات صارمة لا تعرف الخطوط الحُمْر.
ولفتوا الى أن الفساد في العراق لم يعد ملفاً يمكن إغلاقه بتصريح أو لجنة تحقيق، بل هو معركة وجود تحتاج إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة من الكفاءة والمساءلة.
وتشير تقديرات الجهات الرقابية العراقية إلى أن حجم الفساد المالي والإداري في البلاد بلغ مليارات الدولارات بين هدر وسرقة وتلاعب بعقود المشاريع، ما يجعل العراق ضمن أكثر الدول تضرراً من هذه الظاهرة في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى